صلح الحديبية من صفحات الدبلوماسية الإسلامية

0

صلح الحديبية هو المعاهدة التى وقعها النبى صلى الله عليه وسلم مع مندوب قريش من المشركين (سهيل بن عمرو) بما تنص من شروط قاسية على المسلمين الذين جاءوا بصورة سلمية من المدينة المنورة إلى مكة لأداء العمرة تنفيذًا لشعائر الله ، فاعترضهم المشركون عند الحديبية ومنعوهم من دخول مكة، وفضّل نبى الله ( صلى الله عليه وسلم) توقيع الصلح معهم عن المواجهة، وبعد تبادل المكاتبات وعقد المفاوضات بين الطرفين تم التوصل إلى الاتفاق على عدة بنود وتوقيع الصلح والإشهاد عليه ليمثل هذا الحدث الأهم منعطفا هامًا في حياة المسلمين ورحلتهم الدعوية .

 مقدمات عقد الصلح

في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرةعزم رسول الله ) صلى الله عليه وسلم)على الخروج إلى مكة معتمرًا لا يريد حربًا، واستعمل على المدينة نُمَيْلَةَ بن عبد الله الليثي، وكان قد وضع قاعده جديدة أقتضت بإن يعهد لحماية المدينة رجلًا غير الذي استعمله في المرات السابقة.
بالإضافة إلى ذلك قام بدعوة الأعراب بجوار المدينة للمشاركة فى هذه الزيارة ، وكانت حكمة النبى فى دعوة الأعراب من غير المسلمين للمشاركة فى هذه الرحلة التأكيد لقريش على أنه جاء معتمرًا ولم يأتى غازيًا ويؤكد على ذلك أن من ضمن أفراد زيارته من خارج الدين الإسلامى ، وأن زيارة بيت الله الحرام فريضة للعرب أجمعين وليس أهل مكة والمدينة فحسب .
وقد أخبرهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه يريد الخروج للعمرة وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن الكعبة، فأبطئوا عليه، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وكانوا حوالي سبعمائة رجل، وقيل ألف وأربعمائة، منهم ٢٠٠ فارس، وساق معه الهدي (سبعين ناقة)، وأحرم بالعمرة؛ ليأمن الناس من حربه، وليعلموا أنه خرج زائرًا لبيت الله ومعظمًا إياه، وقد جعل الهدي سبعين بدنة، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، وأمر النبي أن لا يكون معهم سلاح غير السيوف في القرب، ولما رأى عمر بن الخطاب ذلك، ظن في هذا المظهر ضعفًا أمام قريش، ولم يفطن إلى أن غاية الرسول من بداية الأمر أن يثبت للملأ أنه خارج للعمرة لا للحرب، فقال للرسول: أتخشى يا رسول الله من أبي سفيان وأصحابه؟! ولم تأخذ للحرب عدتها.

وأما موقف زعماء قريش من زيارة النبى (صلى الله عليه وسلم ) والأعراب فقد قلقوا من هذه الزيارة ، لعلها تكون مكيدة من المسلمين ، وحتى إن كانت مجرد زيارة لأداء المناسك الدينية ، فإن مجرد إختلاطهم بأهالى مكة يُشكل خطرًا عليهم .
وما زال النبي وصحبه سائرين حتى كانوا بعسفان، وهو مكان قريب من مكة، تقدم إليه بسر بن سفيان الكعبي( (وقال له: يا رسول الله، هذه قريش سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل، وقد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا عَنْوَة، وهذا خالد بن الوليد ) ) في خيلهم قدموها إلى كراع الغميم (وكلاهما مكان قريب من الحديبية)، فقال رسول الله: يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب! ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ..؟! فوالله لا أَزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة .
– نصوص الصلح :
“باسمك اللهم
هذا ما صلح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو
واتفقا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين يأمن فيهم الناس ويكف بعضهم عن بعض كما يلى:
( على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً، أو يبتغى من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله).
على أنه من آتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريش ممن مع محمد لم يردوه عليه ، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال.
وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب السيوف في القرب ولا تدخلها بغيرها.
وعلى أن الهدى حيث ما جئناه ومحله فلا تقدمه علينا.
أشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين .
– أطراف الصلح
وفوضت قريش فى الصلحح من جانبها فى مفاوضات الصلح مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) “سهيل بن عمرو”، فلم يكن من المجدى لقريش أن ترسل وسطاء من خزاعة أو ثقيف، من خارج قبيلة قريش، ونظرًا لأنه سيتفق ويتفاوض في الأمور التي تمس قريشاً بشكل مباشر، فلا بد أن يكون من قريش، فمن سترسل؟ هل سترسل عكرمة بن أبي جهل، أم سترسل خالد بن الوليد، أم سترسل أبا سفيان، أم صفوان بن أمية؟ أنت لم ترسل أيًا من هذا؛ لأن كل هؤلاء الأشخاص يُعرفون الآن باسم: الصقور. كلهم أرادوا قتال المسلمين، وقريش لم ترغب في القتال. وأرادوا تهدئة الأمور قدر الإمكان، فأرسلوا رجلاً من حمامة، وهو رجل صالح، كما قالوا. أرسلوا: سهيل بن عمرو، وسهيل كان يتسم بطباع هادئة. إنه رجل طيب وليس لديه مشاكل مباشرة كبيرة مع المسلمين. وكان يستطيع التفاوض بلطف مع المسلمين وهذا ما أرادته قريش.
وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم عندما علم بتولى سهيل بن عمرو التفاوض عن قريش، وقال: ” قد سهل لكم أمركم)” بمعنى أن مقصد قريش الصلح عندما قاموا بإرسال سهيل بن عمرو) .
ولعل من أهم الأسباب التى دفعت قريش لقبول الصلح خشية قادة قريش من التحرك العسكرى من النبى (صلى الله عليه وسلم) وصحبه ؛ فى أعقاب الأخبار التى وصلت لقادة قريش عن مدى شدة بأس وقوة المسلمين بعد بيعة الرضوان عند إنتشار شائعة مقتل عثمان بن عفان ، وظن أيضًا قادة قريش أن فى عقد الصلح مع المسلمين توطيد لقوتهم وإضعاف مركز المسلمين .
بينما رأى المسلمون والنبى (صلى الله عليه وسلم) أن هدفهم الأساسى هو زيارة بيت الله الحرام وأداء شعائر العمرة ،وساقوا معهم الهدى؛وعقد الصلح مع قريش سيؤكد للعرب كافة هذه الحقيقة .

“آثار الصلح ونتائجه”
وقد حملت مفاوضات صلح الحديبية وما تلاها من أحداث العديد من الموازنات الشرعية والتى يتوجب معها العمل على دراسة أبعادها ومقوماتها لتكون مرجع لعلاج مشكلات واقعنا والتخطيط لمستقبلنا وموازنة مصالحنا.
ولعل أبرز نتائج الصلح منذ ظهور الدعوة الإسلامية فى مكة منذ إنطلاقها على مدار خمسة عشر سنة وحتى عقد صلح الحديبية ، كان تعتبر الدعوة الإسلامية وعلى رأسها النبى (صلى الله عليه وسلم) كيان غير ذو قيمة فاعلة ، وبعد عقد الصلح تم الاعتراف من قبل قريش بقوة الدعوة الإسلامية فى المدينة .
كشف صلح الحديبية عن زيف الدعاية القرشية بإن العرب والمسلمون حضروا إلى مكة من أجل سفك الدماء والاعتداء على الأبرياء من أهل مكة ، كذلك حدوث إنقسام فى معسكر الكفار نتيجة الاختلافات فى الأسلوب التفاوضى مع المسلمين

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version