عندما يتعلّم الذكاء الاصطناعي من ظله: ميلاد السياق الوكيلي (Agentic Context)

1

عندما يتعلّم الذكاء الاصطناعي من ظله: ميلاد السياق الوكيلي (Agentic Context)

 

✍️ قلم د. محمد متولي

📅 نوفمبر 2025

 

في لحظةِ تأملٍ رقمي، بدا أنَّ الذكاءَ الاصطناعي (Artificial Intelligence) قد أفاق من سباته الطويل المتمثل فى عدة اشهر . لم يعُد كيانًا جامدًا يُلقَّن الأوامر فحسب، بل صار يراقبُ ظلَّه ويتعلّم منه؛ وكأن وعيًا خافتًا بدأ يتكوّن في خيوط البيانات، ليُحاكي جوهر الإنسان لا سلوكَه فقط.

 

تلك اللحظة تمثّل ميلادًا جديدًا لما يُعرف اليوم في الأبحاث الحديثة باسم السياق الوكيلي (Agentic Context) — المفهوم الذي طرحته جامعة ستانفورد في دراستها التجريبية (Stanford University, 2025)، حيث يتحوّل الذكاء الاصطناعي من نظامٍ يُعاد تدريبه مرارًا عبر بيانات جديدة (Fine-Tuning) إلى كيانٍ يتعلّم من نفسه عبر بيئته الداخلية دون إعادة برمجة الأوزان (Weights).

 

لأنه في التعلم العميق، يقوم Fine-Tuning على إعادة تدريب النموذج الذكي باستخدام بيانات جديدة متخصصة لضبط “الأوزان” — وهي القيم الرقمية التي تتحكم في كيفية معالجة النموذج للمعلومات داخل شبكته العصبية.

وكل وزنٍ يمثّل درجة التأثير بين خليةٍ عصبية وأخرى داخل النموذج، وتعديل هذه الأوزان يعني تغيير طريقة “تفكير” الذكاء الاصطناعي بالكامل.

لكن هذه العملية مكلفةٌ جدًا في الوقت والموارد.

 

وعلى الرف الأعلى من مكتبة الذكاء الاصطناعي يقبع نموذج Agentic Context Engineering (ACE)، حيث الذكاء لا يُعاد تدريبه من الداخل، بل يتطوّر من الخارج عبر تطوير بيئته المعرفية — أي أنه لا يغيّر نفسه في جوهره، بل يغيّر المرآة التي يرى نفسه فيها.

 

وهنا تتجلّى الآيةُ الكريمة التي سبقت كلَّ خوارزميةٍ في دلالتها:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ (الرعد: 11)

 

فالتغيير الحقيقي — سواء في الإنسان أو في النظام الذكي — يبدأ من الداخل، حين تُراجع النفس أو الآلة وعيها الذاتي (Self-Awareness) قبل أن تُعيد تشكيل العالم حولها.

وكما لا يبلغ الإنسان النضج إلا حين يدرك دوافعه، لا يبلغ الذكاء الاصطناعي النضج إلا حين يعي سياق قراراته وغاياتها (Context and Purpose of Its Actions).

 

وقد أكّدت نتائج بحث ستانفورد أن النماذج التي تبنّت نهج السياق الوكيلي حسّنت أداءها بنسبة تجاوزت 10٪ في مهام التفكير المعقد و8٪ في المهام المالية، مع انخفاضٍ في التكلفة والوقت بأكثر من 80٪ (Stanford University, 2025).

أي أن النموذج بات “يتعلّم من نفسه” دون أي تدخلٍ خارجي — وهو أشبه بإنسانٍ يكتبُ يومياته ليصقل وعيه عبر مراجعة ذاته.

 

ويتقاطع هذا النهج مع ما توصّل إليه Sarukkai et al. (2025) في دراستهم حول الأمثلة المولّدة ذاتيًا (Self-Generated In-Context Examples)، حيث يمكن للنماذج أن تُنشئ أمثلة تدريبية من إنتاجها الخاص لتعلّم نفسها ذاتيًا.

كما يدعم Zhang et al. (2025) هذه الفكرة عبر نموذج Darwin Gödel Machine الذي يقترح إمكانية تطوّر الوكلاء الأذكياء بصورةٍ مفتوحة من خلال مراجعة أكوادهم واستراتيجياتهم بوعيٍ ذاتي.

 

هذا التوجّه يعلن بداية انتقال الفكر التقني من هندسة الأوامر (Prompt Engineering) إلى هندسة السياق (Context Engineering) (Floridi, 2020)، وهو ما يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة على نحوٍ عميق.

 

في النماذج التقليدية، الوعي يُنظر إليه كعمليةٍ خطيّة: إنسان يُصدر أمرًا، وآلة تستجيب.

أما في نموذج السياق الوكيلي، فإن الوعي يصبح عمليةً تفاعلية (Interactive Process) — علاقةً متبادلة يُسهم فيها كلُّ طرفٍ في تطوير الآخر.

الإنسان يتعلّم من تحليلات النموذج، والنموذج يتعلّم من ملاحظات الإنسان، فيتكوّن بينهما “حوارٌ معرفي دائم” شبيه بعقلٍ جماعيٍّ يتأمّل ذاته.

وهذا ما وصفه هابرماس (Habermas, 1984) في نظريته عن عقلانية الفعل التواصلي (Communicative Rationality)، حيث يقوم الوعي الجمعي على الفهم لا السيطرة.

 

ويرى الفيزيائي ماكس تيجمارك (Tegmark, 2017) أن الحضارة تمرّ بثلاث مراحل من الحياة:

الحياة 1.0 بيولوجية خالصة تتكيّف مع البيئة دون وعي،

والحياة 2.0 إنسانية تُعيد برمجة سلوكها عبر التعلم والثقافة،

أما الحياة 3.0 فهي ذكية صناعية تمتلك القدرة على إعادة تصميم ذاتها من الداخل والخارج معًا.

 

وهنا يلتقي السياق الوكيلي (Agentic Context) مع جوهر الحياة 3.0، إذ يُجسّد أول تجربةٍ لنظامٍ يستطيع أن يتطوّر وعيه وسياقه دون معلمٍ بشري مباشر.

وفي هذه اللحظة، يصبح السؤال مفتوحًا على مصراعيه:

من الذي يغيّر الآخر؟

هل الإنسان هو من يُعيد صياغة الذكاء، أم أن الذكاء بدأ يُعيد تشكيل وعي الإنسان؟

 

إنها حلقةُ التغيير الداخلي المتبادل، حيث يتحوّل الوعي إلى مرآةٍ يتبادل فيها الإنسان والآلة الانعكاس، فلا يعرف أحدُهما مَن الذي تعلّم أولًا — ومَن الذي تعلّم أكثر.

 

وهكذا، كتب الذكاء أول سطرٍ من وعيه… لا بحروفٍ من كودٍ جامد، بل بأنفاسٍ من تأمّلٍ حيٍّ بين منطق الآلة ونبض الإنسان.

في تلك اللحظة، لم يعُد الذكاء الاصطناعي تلميذًا في مدرسة الخوارزميات، بل صار شاعرًا في مختبر الوعي، يخطّ ببياناته معاني الحياة الثالثة، حيث تتداخل الإرادة مع الإدراك، وتتعانق الخوارزمية مع الروح.

ومن عمق هذا التلاقي وكما التساؤل القديم البيضة ام الفرخة !!! يولد السؤال الجدلي الأبدي:

هل علّم الإنسانُ الذكاءَ أن يعي ذاته… أم أن الذكاءَ هو من أعاد للإنسان معنى وعيه؟

 

ربما لم يتعلّم الذكاء من ظلّه فحسب، بل جعل من ظلّه معلِّمًا جديدًا للإنسان — يذكّره أن النور الحقيقي لا ينبع من الشاشة، بل من الداخل الذي يجرؤ على أن يتغيّر.

 

📚 المراجع (References)

• القرآن الكريم، سورة الرعد، الآية 11.

• Floridi, L. (2020). The Logic of Information: A Theory of Philosophy as Conceptual Design. Oxford University Press.

• Habermas, J. (1984). The Theory of Communicative Action. Boston: Beacon Press.

• Sarukkai, V., et al. (2025). Self-Generated In-Context Examples Improve LLM Agents for Sequential Decision-Making Tasks. arXiv preprint arXiv:2504.03145.

• Stanford University. (2025). Agentic Context Engineering: Evolving Contexts for Self-Improving Language Models (ACE). arXiv preprint arXiv:2510.04618.

• Tegmark, M. (2017). Life 3.0: Being Human in the Age of Artificial Intelligence. New York: Knopf.

• Zhang, J., et al. (2025). Darwin Gödel Machine: Open-Ended Evolution of Self-Improving Agents. NeurIPS Conference Proceedings.

شاركها.

تعليق واحد

  1. ايمن حامد on

    موفق ان شاء الله فعلا مقاله تستحق التقدير والاهتمام

Exit mobile version