“ليس كل من أنجبت طفلًا أصبحت أمًا… فالأمومة أخلاق قبل أن تكون حضانه
بقلم: سهير مجدي
لم يعد من السهل اليوم أن نتحدث بصراحة عن بعض الحقائق المؤلمة داخل المجتمع، لأن أي محاولة للنقد قد تُفسَّر سريعًا باعتبارها هجومًا على المرأة أو انتقاصًا من مكانة الأم. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الأمومة، رغم قدسيتها، ليست حصانة أبدية من الخطأ، وليست رخصة مفتوحة لاستخدام الأطفال في معارك الكبار.
في السنوات الأخيرة تحولت كثير من قضايا الطلاق إلى ساحات صراع قاسية، لا يُراعى فيها الطفل بقدر ما تُستخدم فيها القوانين كسلاح للانتقام. نرى زوجة تسرق زوجها لتصنع قضية، وأخرى تخفي أثاث المنزل لتتهمه بالتبديد وتدفع به إلى السجن، وثالثة تمنع الأب من رؤية أبنائه وكأنهم ملكية خاصة وليست أرواحًا صغيرة تحتاج إلى وجوده بقدر حاجتها إلى أمها.
والأكثر إيلامًا أن بعض البيوت لا تُهدم بسبب ظلم أو قسوة، بل لأن طرفًا قرر هدمها طواعية. زوجة تُخرب بيتها من أجل رجل آخر، ثم تقف بعد ذلك أمام القانون في صورة الضحية، بينما يتحول الأب إلى متهم دائم، يدفع ثمنًا باهظًا ليس فقط من سمعته وماله، بل من حقه الإنساني الطبيعي في رؤية أبنائه.
وفي كثير من الحالات يتحول حق الأب في احتضان أطفاله إلى ما يشبه الصفقة المهينة:
ادفع… لترى ابنك.
تنازل… لتقترب من ابنتك.
هكذا تتحول الأبوة من علاقة إنسانية عميقة إلى عملية مساومة، ويصبح الطفل ورقة ضغط في صراع لا يفهمه.
المؤلم أن الطفل هو الضحية الصامتة في كل هذه المعارك.
هو لا يعرف تفاصيل القوانين، ولا يدرك أسباب النزاع، لكنه يشعر بفراغ كبير في حياته عندما يُنتزع الأب من يومه ومن ذاكرته ومن لحظاته الصغيرة.
تشير دراسات نفسية عديدة إلى أن وجود الأب في حياة الطفل ليس رفاهية، بل ضرورة أساسية لبناء التوازن النفسي والعاطفي. فالأب ليس مجرد مصدر للإنفاق، بل شريك حقيقي في التربية وركن أساسي في تشكيل شخصية الطفل.
لكن حين ينحاز القانون أحيانًا – ولو بحسن نية – إلى طرف واحد دون النظر إلى مصلحة الطفل الحقيقية، فإنه يتحول من وسيلة للحماية إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة. فالقانون الذي يمنح الحماية لأم لا تعرف معنى الأمومة، بينما يُغفل حق الطفل في وجود أبيه، لا يحمي الأسرة بقدر ما يترك الطفل وحيدًا في قلب معركة لا ذنب له فيها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ما جدوى حضانة طفل لدى أمٍ تمارس الخداع أو السرقة أو تهدم بيتها من أجل رجل آخر؟
الحضانة ليست امتيازًا مطلقًا، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون حقًا قانونيًا. وعندما تسقط الأخلاق، يصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذا الحق.
إن الأم التي تسرق زوجها لتلفق له قضية، أو تُخرب بيتها من أجل علاقة أخرى، لا يمكن أن تُقدَّم نموذجًا تربويًا لطفل يتعلم منها معنى القيم والكرامة. فالتربية ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُرى ويُعاش يوميًا.
ولهذا فإن المجتمع الذي يضع مصلحة الطفل أولًا يجب أن يملك الشجاعة ليقول بوضوح: يجب إسقاط الحضانة عن أي أمٍ تستخدم الكذب أو السرقة أو الخيانة وسيلة في صراعاتها، لأن من لا يعرف معنى الأخلاق لا يمكنه أن يغرسها في طفل.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يطعمه أو يلبسه، بل إلى من يعلّمه معنى الصدق والاحترام والاستقامة. والتربية التي تقوم على الغش والانتقام لا تُنشئ إنسانًا سويًا، بل تزرع في داخله جروحًا نفسية قد ترافقه سنوات طويلة.
الدفاع عن حقوق المرأة لا يعني أبدًا الدفاع عن الظلم إذا صدر من امرأة. والتعاطف مع الأم لا يعني حرمان الطفل من أبيه. العدالة الحقيقية لا تتحقق عندما ننحاز لجنس ضد آخر، بل عندما نضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.
فالطفل ليس غنيمة طلاق، وليس وسيلة انتقام، وليس ورقة مساومة.
إنه روح صغيرة تحتاج إلى بيت متوازن، إلى حضن أم… وإلى ظل أب.
والمجتمع الذي يسمح باختطاف الطفولة تحت لافتة الأمومة، إنما يزرع في أطفاله جروحًا عميقة سترافقهم إلى المستقبل.
لأن الطرف الأضعف في كل هذه الحكايات…
ليس الرجل…
ولا المرأة…
بل الطفل الذي يدفع ثمن أخطاء الكبار.


