زينات صدقى فى ذكراها:
فى حياتى تألمت كثيرًا.. وبكيت كثيرًا!
(القاهرة ـ 1978)
بجوار الشرفة، ما زالت تجلس زينات صدقى تنظر إلى المارة فى الشارع، غيّر أن نظرها وهن بعض الشيء، وجسدها ضعُف ولم يعد قادرًا على حملها للوقوف في البلكونة كما كانت تفعل قبل سنوات.
الرئة كل يوم يشتد المرض فيها، ما يجعلها تتنفس بصعوبة ولا تتحسن حالتها إلا بتناول جرعات العلاج اليومية المعتادة.
«سنية» ابنة شقيقتها المقيمة معها جاءت لها الآن بجرعة الدواء. وهي عادت إلى جلستها وسط الصالة أمام جهاز التليفزيون.

بعد دقائق من الصمت سألتها سنية:
«قولي لي بقا يا خالتى.. أنت تعرفتِ على نجيب بيه الريحانى إزاى؟» ردت: «بعد فصلي أنا وخيرية – صديقتها – من فرقة كنا نعمل بها، جلسنا بلا عمل، ثم التحقنا بفرقة بديعة مصابنى، ثم تركنا العمل بها، أو بمعنى أدق.. الفرقة هى التى تركتنا!
وذات يوم قالت لى خيرية تعالى نذهب لزيارة مطرب قريب لى يعمل فى فرقة نجيب بيه الريحانى.
وبالفعل ذهبنا إلى هناك وانتظرنا هذا المطرب، كان اسمه إبراهيم فوزى وتزوجته بعد ذلك».
من بعيد لمحنى نجيب الريحانى، فاقترب منى وهو يمر بين العاملين، فتسمرت مكانى.. بعد لحظات اقترب منى قائلًا: «أنتِ جاية تمثلى يا شاطرة؟ قلت بدون تفكير: طبعًا.. يا أستاذ! قال: «اسمك إيه»؟ قلت: «زينب محمد» نظر إليّ وإلى صديقتى الواقفة جواري وسألها عن اسمها فقالت: خيرية صدقي..
امتعض وجهه ثم سكت برهة، وأشار إليّ قائلاً: «أنت اللى تنفعى فى التمثيل.. واسمك الفنى من الآن سيكون زينات صدقى».
بعد فترة صمت، قالت بتنهيدة:
«الناس لا يعرفون أن حياتى كلها كانت دموعًا.. وأنا لو كتبت سيرة حياتى ستتحول ضحكات الجمهور التى كانوا يضحكونها معى إلى دموع تذرفها عيونهم من أجلى».. سألتها سنية: «والحب فى حياتك يا خالتى إيه أخباره؟».
ردت بنصف ابتسامة قائلة: «إن جيتى للحق مفيش فى الدنيا دلوقت حب بالمعنى الصحيح زى حب قيس وليلى.. الحكاية وما فيها أن كلمة أحبك حتى بين الزوجين لازم يكون وراها مصلحة!»
ثم قالت وهى تقاوم دمعة تتأرجج في عينيها: «أنا تزوجت ثلاث مرات، ومعهم جميعًا لم أجد الحب أو الراحة أو السعادة أو الهدوء أو التفاهم.. يبقى فين الحب بقى؟
أنا قضيت عمرى كله فى كفاح مستمر.. تعبت كثيرًا.. وتألمت كثيرًا.. وبذلت كثيرًا من العرق والدموع».
•••
(القاهرة – 1966)
بعد رحيل نجيب الريحانى وعبدالفتاح القصرى وإسماعيل ياسين، ابتعدت زينات صدقى عن الوسط الفنى برمته وعاشت سنوات فى شقتها تنتظر بعض الأدوار البسيطة، وحتى هذه الأدوار لم تستمر طويلاً، وهو الأمر الذى دفع الكاتب الصحفى جليل البندارى لكتابة مقال فى صحيفة «الأخبار» عام 1966 طالب فيه بضرورة إخراج زينات صدقى من عزلتها وإشراكها فى أعمال فنية، حتى تستطيع مجابهة الحياة وأعبائها المعيشية الصعبة، وإلا فإن هذه العزلة -إذا ما استمرت – ستدفعها الظروف إلى بيع عفش شقتها! «جليل البندارى فى مقاله حذر فقط ولم يقل إنها باعت أثاث شقتها كما هو متداول وشائع بالخطأ».
•••
(القاهرة – 1978)
قبل أن تغادر «سنية» مكانها متجهة إلى غرفة نومها، لاحظت التدهور الحاد الذي ظهر على جسد خالتها، إذ انهارت صحتها تمامًا فى الشهور الثلاثة الأخيرة.
بعد لحظات اقتربت منها قليلاً.. فوجدتها تسند رأسها للمرة الأخيرة إلى المسند خلفها قبل أن تدخل فى غيبوبة الموت..
وفى وقت متأخر من ليلة 2 مارس ـ فى مثل هذا اليوم- من ذلك العام، حدث لها هبوط حاد وتوقف القلب تمامًا بصورة مفاجئة، لتسلم الروح إلى خالقها فى هدوء..
لترحل فى هدوء.. مثلما عاشت فى هدوء.
بعدما قضت عمرها كله فى كفاح مستمر أضحكتنا فيه كثيرًا..
فى الوقت الذى كانت تتألم فيه كثيرًا، على حد قولها. تقول:
«فى حياتى تألمت كثيرًا.. وبكيت كثيرًا»!
أما نحن ـ عشاق فنها الراقى الجميل ـ فضحكنا كثيرًا – وما زلنا نضحك – كلما ظهرت على الشاشة أمامنا، بطلّتها، وبساطتها، وضحكتها المصرية الأصيلة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
خيري حسن
•• الأحداث حقيقة والسيناريو من خيال الكاتب.
•• من مقال سابق للكاتب فى ذكرى الراحلة.