تمثال « طه حسين » , الفنان « الوشاحى » , بوليســـتر , ارتفاع 290سم , 1996م , مكتبــة «الأسكندرية » , «بالقاهرة» , «مصر» .

0

الوشاحي.. يجسد البصيرة رغم كف البصر
بقلم دكتوره / مريم سعد وهبه
مدرس النحت الفراغي والميدانى بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة جامعة أسيوط
تمثال « طه حسين » للفنان « عبد الهادى الوشاحى » :
عبر« الوشاحى » عن شخصية ساهمت فى تقدم البلاد ورفعتها فكرياً فى تمثال بديع من خامة البوليستر لعميد الأدب العربى الدكتور « طه حسين » , وقد بث « الوشاحى » فى تمثاله كل أشواقه وأشواق جيله من المثقفين نحو مستقبل أفضل , كما بث شحنات التوتر الباطنة والظاهرة التى يعيشها الفنان .
وقد أثرت الصياغة التشكيلية الحداثية على وضوح المضمون ليحمل تمثال « طه حسين » فى مضمونه عميد الأدب العربى جالساً فى أناقة وشموخ وذراعان تمتدان على نحو يرمز لعطاء الفكر والقلم ويتسلل الضوء من فجوات فى رأس التمثال إلى منطقة العينين فيشع منهما نوراً يظهر حرص الفنان على إظهار البصيرة رغم كف البصر .
فنجد إيقاعاً فريداً يربط بين الكتلة والفراغ , إيقاعاً آسراً , ذو وقع سحرى , يخاطب البصيرة قبل أن يأسر البصر والحواس , وقد تحقق فيها شكل الفراغ وميكانيكية سقوط الضوء على الكتلة , وظهر ذلك واضحاً من خلال توازن دقيق بين حدة الإنفعال وجمال البناء , وفى تنسيق العلاقات بين الكتل الرئيسية والكتل المساعدة والتجويفات الفراغية , وما تعكسه من درجات ظلية وضوئية ذات إيحاءات رمزية , وضبط الإيقاع بين موحيات الحركة وموحيات السكون بين موحيات التأمل العميق فى وجه « طه حسين » .
وتأكد ذلك التقابل الحيوى بين ما يمكن وصفه « الفعل » و رد « الفعل » , والتى تتضح فى العلاقة بين ساقى التمثال وأرجل المقعد , وبين اليدين اليمنى واليسرى , ففى حين تتشبث أصابع اليد اليسرى بحافة المقعد تبدو أصابع اليد اليمنى وهى فى طريقها إلى التحرر من كتل التمثال وكأنما يهم « طه حسين » بالنهوض لمواجهة أمر جلل . ولأنه لم يكن مطروحاً فى فكر « الوشاحى » أن يكون عمله الفنى صورة مستنسخة من الواقع المباشر , بل ترك نفسه لغواية المراوغات الذكية والمبالغات المحسوبة , وقد أتاحت له تلك المبالغات أن يقيم فضاءاً رمزياً يقع بين الذراع الأيمن والجسد , كما أعدت مبالغات الإطالة المشاهد نفسياً إلى حالة من التروى والتأمل وهو طريقه إلى الذروة « رأس المفكر » فإن المبالغة فى تقصير النصف السفلى قد مهدت إلى استقبال حالة مغايرة هى حالة الحركة . وقد حرص « الوشاحى » ألا يكون « طه حسين » فى تمثاله مسترخياً , فما يزال الطريق طويلاً وشاقاً لبلوغ تلك الرفاهية . كما عالج « الوشاحى » موضع نظارته السوداء وعينيه علاجاً فنياً بليغاً استبدل بمكانيهما مغارتين عميقتى الظلمة واخترقهما بما يسمح بتسلل ومضتين شاحبتين جعلتنا نشعر بأننا أمام مبصريتين لا ترانا فقط , بل ترى ما هو أبعد من وجودنا المادى , وتبدو الرأس فى عليائها شامخة .

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version