يمتد البحث التاريخي لمنطقة الشرق الأوسط ، ليشمل السيطرة الاستعمارية الأوربية في القرن التاسع عشر، وصولا إلى احتلال الولايات المتحدة الأميركية العراق، مع استعراض تطور الاختراق الاستعماري الأوربي، منذ قرون خلت ولاسيما منذ القرن الثامن عشر، والصعود القوي للدول الأوربية، إذ بدأ تدخل القوى الأوربية ومن ثم الأميركية في منطقة الشرق الأوسط منذ حملة نابليون بونابرت على مصر حتى أيامنا هذه، وتعرضت المنطقة للسيطرة الأوربية، بمختلف أنواعها، المباشرة وغير المباشرة ، بعد أن خضعت لواقع التنافس ما بين القوى الأوربية الاستعمارية الصاعدة ، وما ترتب عليها من تقسيمات جديدة، ما بين حملة نابليون بونابرت في عام 1798م ونهاية الحرب العالمية الأولى .
أما مع نهاية الحرب العالمية الثانية، التي خرج منها منتصران كبيران هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي السابق ، ثم نشوب حرب قناة السويس عام 1956م ، فقد عرفت منطقة الشرق الأوسط بعدها تنافسًا كبيرًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى السابق فى ظل ما عُرف بالحرب الباردة ، ومن هذا المنطلق تأتى أهمية دراسة العلاقات العراقية الأمريكية خلال القرن العشرين وهذا ما سيتناوله العرض التالى .
– العلاقات العراقية الأمريكية فى القرن التاسع عشر
شكل العراق منذ أواخر القرن التاسع عشر إحدى الأولويات في إدراك المؤسسات الأمريكية حيال مصالحها في الشرق الأوسط وتمثل ذلك عبر الدخول لتمثيل المصالح الأمريكية من خلال البعثات الاستكشافية منها بعثة العميد البحري روبرت شوفيلدت ، لأجل جمع المعلومات عن الوضع في العراق آنذاك . وعلى أثر ذلك تم بناء قنصلية في بغداد تتولى الأشراف على شؤون الرعايا الأمريكيين بصفة غير رسمية بعد أن كانت ترعاها القنصلية البريطانية في العراق، ثم أعقب ذلك ظهور النشاط التبشيري في مدينة الموصل عبر الكنائس الأمريكية وحملاتها التبشيرية عام ١٨٨٠ م مما أدى إلى زيادة الرغبة في تكثيف قنوات التفاعل .
بدأت العلاقات الأمريكية- العراقية بعد فتح قناة السويس عام 1896م ، فى التزايد على مستوى التبادل التجاري بين الطرفين، وذلك من خلال وكلاء شركتي )فوري وأندرويز( للتجارة والشحن في بغداد والبصرة عام 1879م .
العلاقات العراقية الأمريكية حتى الحرب العالمية الثانية
وبدأت العراق تدخل بشكل أكبر فى حيز الاهتمام الأمريكى بمنطقة الشرق الأوسط منذ أوائل القرن العشرين، نظرًا للصراع بين القوى الدولية الكبرى للهيمنة على الشرق الأوسط ، إذ كانت مصالح الولايات المتحدة الأمريكية واضحة في ذلك، وترجع محاولاتها الأولى لعام ١٩٠٨ ، حين قدم الأدميرال الأميركي جستر كولبي موفداً من قبل مجموعة من المستثمرين الأميركيين ليقود مفاوضات الحصول على حقوق الأسبقية في البحث عن نفط الموصل مع المسؤولين العثمانيين في استانبول .
وفي ٩ مارس عام ١٩١٠م منح “كولبي” إمتياز البحث عن النفط في العراق مسافة ٢٠ كيلو متر على جانبي سكة الحديد المقترحة الإنشاء والمارة بكركوك والموصل، وعلى الرغم من بعض الدعم الذي وفرته الخارجية الأمريكية لإنجاز المشروع فإن الأدميرال كولبى لم يكن قادرًا على تجاوز المصالح البريطانية من أجل إنجاز سكة حديد بغداد .
وقد شهدت المدّةُ التي فاز بها الرئيس الأمريكي ولسن صراعًا شديدا بين القوى الدولية الرئيسة للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط ، وبخاصة المناطق الغنية بالنفط .
امتعضت الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة المملكة المتحدة في العراق ، هذا مع أن ولسن الرئيس الأمريكى (1913-1921 م) آنذاك، قد صَرح بشروطه الأربعة عشر، بوجوب ترك حق تقرير المصير للبلدان المتخلفة ، وفي ٢٨ يونيو عام ١٩١٩ تشكلت عُصبة الأمم بصورة رَسمية، واجتمع مجلس الحُلفاء فوزعَت المستعمرات الألمانية والممتلكات العثمانية )سوريا وفلسطين والأردن والعراق .
وبعد أن تأسست المملكة العراقية عام 1921م شهد هذا العهد تطورًا في العلاقات الأمريكية العراقية وتم توقيع معاهدة عام 1930م والتي اعترفت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق، وعلى أثر هذا التطور أولت الدبلوماسية الأمريكية قضايا العراق اهتماما كبيرًا من خلال تقاريرها إلى واشنطن والتي تحدثت فيها عن الأوضاع السياسية الداخلية وسياسة الحكومة الخارجية مستفيدين مما تكتبه الصحافة العراقية إضافة إلى الاتصالات الشخصية للمسئولين العراقيين .
وبذلك بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تفكر في الشروع لوراثة الامبراطورية البريطانية والعمل على التخطيط في كيفية السيطرة على العراق، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كان لها أثر في عقد المعاهدة العراقية – البريطانية والاعتراف باستقلال العراق عام ١٩٣٠م عبر عقد معاهدات جانبية معه .
إلا أن دخول العراق إلى عصبة الأمم المتحدة عام ١٩٣٢م حال دون تنفيذ الاتفاق الخاص بالولايات المتحدة الأمريكية ،على الرغم من أنها استفادت منه في إطار مطالبها في حصة الامتيازات النفطية في العراق خارج اطار شركة نفط العراق ، وبذلك نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت العراق جزءًا من منظومة المصالح الاستراتيجية، وهذا ما يفسر مقولة الرئيس الأمريكي أيزنهاور” إن العراق حصن الإستقرار والسلام في المنطقة ” .
ومع بداية الحرب العالمية الثانية، وزيادة الاهتمام الامريكي بالمنطقة العربية وبالتحديد في العراق لما يمتلكه من ثروة نفطية هائلة، اضافة إلى الموقع الاستراتيجى الذي يتمتع به، كل ذلك دفع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى إرسال برقية إلى الحكومة العراقية في 15 أكتوبر 1939م تضمنت دعوة العراق للمشاركة في المؤتمر العالمي الذي أنعقد في واشنطن للنظر في القضايا الدولية عام 1940 م .
وللرد على السياسة الأمريكية تجاه العراق، قام العراق بدوره بمطالبة الوزير المفوض الأمريكي في العراق بول نابنشو بفتح قنصلية عراقية في واشنطن، وبعد سلسلة مراسلات بين الطرفين تمت الموافقة على تأسيس القنصلية في مارس 1942م وصدر مرسوم بتعيين علي جودت بدرجة قنصل عام في واشنطن وقدم أوراق اعتماده إلى الرئيس الأمريكي روزفلت في أبريل 1942م ، في ضوء موقف الولايات المتحدة المؤيد لثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م.
العلاقات العراقية الأمريكية خلال الحرب الباردة
إلا أن العلاقات العراقية- الأمريكية طرأ عليها تحسن ملموس خلال الفترة من عام 1945م إلى عام 1958م ، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وصعود الولايات المتحدة الأميركية وقيادتها المعسكر الغربي الذي سمح لها بلعب دور كبير في العلاقات الدولية. وفي أواسط عقد الخمسينات من القرن العشرين، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تنتهج سياسة تطويق الاتحاد السوفيتي )السابق( بسلسلة من الأحلاف العسكرية. وقد عبر جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية عن ذلك بالقول انه لابد من إقامة حلف عسكري للدفاع عن الشرق الأوسط ضد السوفييت ، وأخذت الولايات المتحدة تعمل لترشيح العراق لكي يكون حلقة مهمة في منظومة أحلاف الغربية، و وقعت مع العراق عام 1954م اتفاقية تعاون عسكري .
كما أعدت الولايات المتحدة الأمريكية برنامجًا متكاملا لتقديم مساعدات للعراق، وتسارعت الأحداث بقوة، ليوقع العراق اتفاقية مع تركيا فبراير 1955م واتفاق مع البريطانيين بعد شهرين، وقد انضمت باكستان إلى الاتفاق في يوليو 1955 م، وفي الثالث من نوفمبر عام 1955م التحقت به إيران كذلك، فأصبح الحلف يدعى بحلف بغداد، ولم تشأ الولايات المتحدة، الانضمام إلى الحلف، لكنها رغبت في تأسيس لجنة ارتباط سياسية وعسكرية دائمة لها معه .
وقد حاولت الولايات المتحدة اتخاذ العراق قاعدة لمواجهة المد القومي الذي قاده الرئيس المصرى جمال عبد الناصر خلال الفترة من 1952 م إلى 1970م ، خاصة بعد نجاحه فى إقامة كتلة عدم الانحياز اثر مؤتمر باندونغ في إبريل 1955م وبعدها الإعلان عن الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958م وساندت الولايات المتحدة مشروع الحلف ولكن لم تنضم إليه واكتفت بدور المراقب ، وأعلنت الحكومة الأمريكية اعترافها بالحكومة العراقية الجديدة حكومة عبد الكريم قاسم.
وفي 11 فبراير 1963م بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في استغلال الخلافات والحملات الإعلامية بين العراق والاتحاد السوفيتي سابقًا ، حيث جرت بعض الاتصالات بين الحكومتين العراقية والامريكية وعرضت الولايات المتحدة الأمريكية رغبتها بتقديم ما يحتاجه العراق من خبراء وفنيين واستعداد الشركات الأميركية الاقتصادية، كمنظمة التنمية والاستيراد والتصدير والبنك الدولي، لتمويل بعض المشاريع المهمة في العراق .
وفي 19 مايو1963م وافق مجلس الوزراء العراقى على المشاركة في معرض نيويورك الدولي، وقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية والعراق علاقات دبلوماسية جديدة في نهاية يونيو1963م، حيث وصل السفير الجديد للولايات المتحدة الأمريكية إلى بغداد لاستلام مهامه، وقد وافق مجلس الوزراء في 10 يوليو1963 م على تصديق الاتفاقية الثقافية بين البلدين الموقع عليها في بغداد في 23يناير1961م حيث تطورت العلاقات العراقية- الأمريكية خلال الفترة من 1964 م إلى 1968م ، نتيجة رغبة مشتركة بين البلدين، مما دفع للعمل على تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بينهما .
ففي مطلع عام 1964م دعت غرفة تجارة بغداد في الحكومة العراقية إلى تنظيم سياسة الاستيراد حيث زارت بعثة تجارية أميركية العراق في إبريل 1965م بهدف تطوير العلاقات التجارية بين البلدين، كما أعفى العراق بموجب قانون رقم 164 لسنة 1964م البضائع الأميركية من الرسوم الجمركية بصفتها أداة للتخطيط الإنمائي .
وفي يوليو عام 1968 م كان الحدث الأهم في العراق هو قيام حزب البعث بالسيطرة على مقاليد السلطة عقب الإنقلاب على حكومة عبد الرحمن عارف ، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العراق الحديث والتي كانت مليئة بالأحداث الخطيرة والمصيرية، حيث جاءت هذه الثورة بمبادئ أساسية استندت عليها في سياستها الخارجية من بينها مناهضة القوى الاستعمارية وفي مقدمتها السياسة والنفوذ الأمريكي في المنطقة وكذلك إعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية في سياسة العراق الخارجية .
وقد ركز حزب البعث في العراق في عقد السبعينيات من القرن العشرين على ترسيخ الاستقرار السياسي في العراق وتوسيع قاعدته الجماهيرية حتى تمكن من تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية من خلال قانون الإصلاح الزرعى الجديد عام 1970م ، و تأميم صناعة النفط خلال الفترة بين عامى 1972 م و1975 م .
وفي المجال السياسى قام الحزب بمنح الأكراد حكمًا ذاتيًا ، بموجب قانون الحكم الذاتي الصادر في 11مارس 1971م اوللتعاون السياسي مع الأحزاب الأخرى خاصة الحزب الشيوعي في إطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي تم تشكيلها في 1972 م عن طريق وضع ميثاق مسودة العمل الوطني في نوفمبر 1971م وقدمته للأحزاب الأخرى للمناقشة لوضع إطار عام للدستور الدائم والتي على أثرها تأسست الجبهة التقدمية عام 1973 م .
ولتثبيت دعائم الدولة ، عمل حزب البعث الحاكم على تطوير القوات المسلحة وتسليحها وتدريبها، واستخدم العراق عائداته النفطية المتزايدة لتوسيع تجارته مع الغرب خاصة أوروبا واليابان ، وعلى المستوى الإقليمي استطاع العراق بعد توقيع اتفاقية الجزائر مع إيران ، وأنهت التمرد الكردي المدعوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وشاه إيران، أن يمارس دورًا اكبر، في منطقة الخليج العربي، حيث أنهت اتفاقية الجزائر عزلة العراق في المنطقة، فأصبحت العلاقات مع إيران في تحسن مستمر. وكذلك اتفق مع المملكة العربية السعودية على تثبيت حدود المنطقة المحايدة، ودخل أيضًا في مفاوضات خاصة بالحدود مع الكويت. كما كان للعراق دورًا رئيسيًا في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في بغداد في نوفمبر 1978م في تقريب وجهات النظر بين الدول العربية حول أفضل السبل لمواجهة الموقف الناتج عن خروج مصر عن الصف العربي نتيجة لسياسات الرئيس المصري السابق “أنور السادات”، بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل فى كامب ديفيد .
وفي العام ١٩٧٩ حصلت طفرة أخرى في الأسعار بتأثير أحداث الثورة في إيران وانخفاض الإنتاج قليلا وفي عام ١٩٧٩ ايضا حدث تطور داخلي في العراق عندما ظهر الرئيس العراقى احمد حسن البكر على شاشات التلفزيون ليعلن تقاعده من رئاسة الجمهورية لأسباب شخصية ليتسلم بذلك صدام حسين مقاليد الحكم في العراق وجاء ذلك بعد مدة وجيزة من الإطاحة ب محمد رضا بهلوي شاه إيران ، لقد أدركت الإدارة الأمريكية مدى تأثير سقوط الشاه وضياع إيران كمنطقة نفوذ أمريكية وما له من تأثير سلبي على المصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي وبشك خاص المصالح النفطية، ولتدارك هذا الوضع الطارئ فقد طورت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قوة الانتشار السريع عرف بمبدأ كارتر، حيث تمنح هذه القوة مرونة كبيرة في نقل قوة عسكرية خفيفة إلى منطقة الخليج العربي لحماية حقول النفط في المنطقة، وفي ابريل عام ١٩٨٠ أعلن الرئيس الأمريكي كارتر مبدأ بخصوص منطقة الخليج العربي والذي أطلق علية مبدأ كارتر ، ويعد هذا المبدأ تهديدا أمريكيا باحتلال منابع النفط


