منذ خلق الله البشر وجاء نزولهم للأرض ومن ثم شروعهم فى عمارتها وعبادة المولى عز وجل، وبدأت الشرائع السماوية فى النزول من السماء إلى الأرض عن طريق الوحى الإلهي للأنبياء والرسل عليهم جميعا الصلاة والسلام، كانت التوراة أول الشرائع نزولاً من السماء على سيدنا موسى مكونة ومقررة للتشريع اليهودى،
ثم بعدها جاء نزول الإنجيل على سيدنا عيسى كمحدد ومقرر للتشريع المسيحي ، واختتم الله الوحي من السماء إلى الأرض بالقرآن الكريم ليكون الدين الإسلامي هو التشريع والدين الأخير الذي ارتضاه الله للبشر جميعًا مصداقًا لقوله تبارك وتعالى
” إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (١٩) ” آل عمران
لما جاء رسول الله سيدنا محمد (ص) وبدأ يعلم الناس بالدين الإسلامي فكان مما أخبر به الناس أن لهذا الدين خمسة أركان أساسية مكونة له، هذه الأركان منها الروحية وهى نطق الشهادتين، ومنها الجسدية وتشمل إقامة الصلاة وصيام شهر رمضان، ومنها المادية وهي أداء الزكاة بكافة أنواعها من زكاة فطر و مال و ثمار وزروع وغيرها مما يمتلكه المسلم فوق قوته كما نعرف جميعًا، ثم جاء الركن الخامس وهو الحج ليشمل طبيعة كل الأركان الأربعة السابقة، الروحية متمثلة فى زيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي وغيرها من طقوس العبادة التي تؤدى بالروح قبل الجسد، أيضا نجد أن القيام بشعائر الحج يصحبه تعب ومشقة جسدية كبيرة من طواف وسعي وذهاب للمزدلفة ومبيت بمني ووقوف بجبل عرفات ليوم كامل كل هذه تمثل الطبيعة الجسدية للركن، وأخيرًا الطبيعة المادية للركن من تكاليف الحج المادية والفدى الذى يقوم به الحجاج، فنظرا لتلك الطبيعة المركبة لركن الحج ولأن المولى عز وجل رحيم بعباده فجعل الحج كركن لمن استطاع إليه سبيلًا بخلاف الأركان الأربعة السابقة فكلها ملزمة للإنسان المسلم
فريضة الحج أيضا تحمل فى طياتها دروس وعبر عظيمة فعندما تعود بالتاريخ لترى حكاية إقامة بيت الله الحرام نفسه تجد فى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام الحكمة، حينما ترك زوجته السيدة سارة وولده الوحيد إسماعيل فى ذلك المكان الذى لم يكن غير صحراء جرداء لازرع بها ولا ماء وهو يتعجب كيف لهذا المكان أن يصبح عمارًا يومًا، لكن حسن الظن بالله كان المتحكم فى سلوك سيدنا إبراهيم، ونتيجة حسن ظنه بالمولى عزوجل فجعل الله هذا المكان فيما بعد خير بقاع الأرض وماء زمزم به خير ماء بالأرض والناس فى حالة زيارة دائمة لذلك المكان بأعداد غفيرة بصورة شبه موسمية فسبحان الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض
أيضا هناك درسًا آخر مستفاد هو أن النجاة دوما فى الامتثال لأوامر الله عزوجل فحينما عاد سيدنا إبراهيم إلى أهله وقد كبر سيدنا اسماعيل وأصبح شابا وفرح سيدنا إبراهيم به كثيرا، فجاءه الأمر الإلهي بذبح ولده، فلم يكن من أسيادنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غير الامتثال لأمر الله دون جزع أو تذمر فكانت المكافأة بأن أرسل الله كبشين إلى سيدنا إبراهيم ليكونا فداءً لروح سيدنا إسماعيل، وتصبح سنة النحر فيما بعد من مظاهر موسم الحج ومن مظاهر فرحة العيد علمًا بأنها أيضًا مرهونة بالاستطاعة وليست ملزمة، إجماليا نجد أن فريضة الحج كمظهر وجوهر من أبهج وأسعد العبادات التي يؤديها المسلمين، والتي يجب على المهتمين بأمورها التيسير على الناس ليتسنى للعدد الأكبر من المسلمين التمتع بهذه الشعيرة وإتمام أركان الإسلام
بقلم / أمير أبورية
