*مبيعرفش يوجّفها : بين القنبلة والوكيل الذكي… رحلة الإنسان مع آلة لا تعرف النهاية

0

*مبيعرفش يوجّفها : بين القنبلة والوكيل الذكي… رحلة الإنسان مع آلة لا تعرف النهاية

**✍️ قلم د محمد متولي*

_القاهرة ديسمبر 2025_

هناك جملة سينمائية ظلّت عالقة في الذاكرة الجمعية للمصريين، حين وقف *ممدوح عبدالعليم* في فيلم بطل من ورق يصرخ بحدة، وبلهجة صعيدية مصرية أصيلة وهو يلوّح بمنديله الأحمر:

*”الجطر حينفجر بعد عشر دقايق… مبيعرفش يوجّفها!”

*كانت تلك الصرخة، في سياق الفيلم، إعلانًا عن لحظة خرجت من إطار السيطرة؛ قنبلة تستعد للانفجار، لا يفيد معها عتاب ولا تهديد ولا حتى محاولة الهرب. ولكن المفارقة أن هذه الجملة التي التصقت بالوجدان الشعبي تحوّلت—بعد عقود—إلى وصف دقيق لمرحلة نعيشها اليوم مع الذكاء الاصطناعي. صرخة “مبيعرفش يوجّفها” صارت سؤالاً فلسفيًا وتكنولوجيًا معًا: *هل نصنع عقولًا رقمية لا تعرف زر الإيقاف؟

* في مدارسنا، كنا نرسم رمز الي ما لانهاية ∞ بلا اقتناع حقيقي، مجرد شكل رياضي يملأ هوامش الكراسة ويثير عبثًا طفوليًا. اليوم يعود الرمز ذاته من بوابة التكنولوجيا، لا كعلامة حسابية، بل كاستعارة وجودية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد ينتظرنا لنعلّمه السؤال، بل صار يصنع السؤال بنفسه. خرج من مرحلة _التلقّي_ إلى مرحلة _الانطلاق الذاتي:_ يصنع مهمّاته، يعيد ترتيب أولوياته، يغذّي ذاكرته، ويهرول للأمام بلا هوادة.

ومع هذا التحوّل، ارتفع داخلي سؤال يقف في منتصف الطريق بين الفلسفة والآلة، سؤال بلهجتنا البسيطة التي تحمل عمقًا أكثر مما يبدو:

*هل وصلنا فعلًا إلى النقطة التي “مبيعرفش يوجّفها”؟

*عندما ظهر *BabyAGI* عام 2023 على يد _Yohei Nakajima_، لم يكن سوى نص برمجي بسيط مكتوب بلغة بايثون. لكن تلك البذرة الصغيرة فجّرت ثورة: مفهوم *الوكيل المستقل Autonomous Agent،* كائن برمجي لا ينتظر سؤالًا ليجيب، بل يستقبل هدفًا ليبدأ الركض نحوه.

ينشئ مهامًا، ينفذها، يقيّم نتائجها، ويعيد صياغة مهام جديدة داخل حلقة لا نهائية لا تتوقف إلا إن أوقفها الإنسان. وقد جاء التوثيق الأصلي ليؤكد بوضوح:

“The loop continues until the user stops it.” — BabyAGI GitHub Repository, 2023

هنا تتأرجح المعاني بين ثلاثية تكاد تصف عصرنا: *المعجزة، المعضلة، الكابوس.*

فالذكاء الاصطناعي التقليدي—مثل ChatGPT—كان ينتظر النداء ليظهر كجني المصباح، يمنح الأمنيات المحدودة ما دمنا “غير مشتركين” ولم نعبث بكيس الدراهم لطلب المزيد. لكن BabyAGI وأشقاؤه من AutoGPT وAgentGPT وCrewAI يشبهون أكثر *قطارًا ذاتيّ التشغيل*؛ إن منحته هدفًا عامًا مثل “خطط لشركة قهوة”، فإنه يشرع في إدارة المشروع بالكامل، مهمةً تلو الأخرى، بلا توقف.

أليست تلك هي البذرة الأولى للانطلاق نحو الي ما لانهاية التي كان الأستاذ فهمي الشتيوي يرسمها على سبورة مدرسة الإبراهيمية، بينما كنا ننظر لها بلامبالاة صبيانية؟

يأتي صدى الفلسفة ليزيد المشهد اكتمالًا؛ فها هو أستاذ الفلسفة هايدغر يقول:

*“التقنية ليست أداة فقط… بل طريقة وجود.”

*وها هو هذا الاقتباس يصبح أكثر خطورة ونحن نشاهد النماذج المستقلة تتحول من “*آلة تنفيذ*” إلى “*كيان رقمي*” يملك طريقة وجود خاصة:

وجود يعتمد على *ذاكرة موجهة* عبر _vector databases_، وعلى “لغة” يفكر بها عبر النماذج اللغوية LLMs، وعلى قدرة مستمرة على التعلم الذاتي داخل دورة مغلقة.

توضح وثائق *BabyAGI* أن النظام يعمل عبر ثلاث وحدات تتغذى على بعضها أولها *وكيل التنفيذ Execution Agent* ثم *وكيل إثراء المهام Task Enrichment* وأخيرا و*كيل إنشاء المهام Task Creation Agent .* وما إن تبدأ الدورة حتى تتحول إلى منظومة “تستنسخ نفسها” فكريًا. عندها يعود السؤال الأزلي ليطلّ برأسه:

*كيف أعرف أنني أتحكم في الفكرة… لا أن الفكرة هي التي تتحكم فيّ؟

*لم يظل BabyAGI “طفلًا” طويلًا؛ فقد تتابعت الأدوات كما تتتابع حلقات الدومينو ف *AutoGPT* يعد الأكثر تطورًا، يتصفّح الإنترنت، يدير الملفات، ويصنع خططًا متعددة المراحل. اما *AgentGPT* و*Godmode* فكلتاهما تمنح المستخدم نسخة ويب سهلة لتشغيل الوكلاء دون كتابة كود. وبالانتقال الي *Microsoft AutoGen* فهنا فريق كامل من الوكلاء يتحاورون كخبراء داخل غرفة اجتماعات. و *CrewAI* يشكل نموذج الوكيل المتخصص—باحث، كاتب، محلل، مصمم—كلهم يعملون بتناغم نحو هدف واحد. وأخيرا *MetaGPT* و*ChatDev* فهما يحاكيان شركة برمجيات افتراضية بدءًا من الفكرة وحتى الشفرة.

تعمل هذه الأدوات جميعًا بمبدأ فلسفي مهم:

*توزيع الإدراك بدلًا من مركزته.

*هنا لا نصنع ذكاءً واحدًا، بل مجتمع ذكاءات قادر على العمل والتفاعل والتطور.

ومع هذا التوسع، نعود إلى صرخة الفيلم القديمة، تلك التي تُشبه حبل نجاة يلوّح به العقل في لحظة حقيقة:

*“مبيعرفش يوجّفها!”*

فالوكيل المستقل يدخل بطبيعته في *حلقة لا نهائية (Infinite Loop) ،* وقد جاء التحذير صريحًا في الوثائق الأصلية لـBabyAGI:

“Warning: BabyAGI may consume your API credits rapidly due to continuous looping.” — BabyAGI Docs, 2023

*فهل نصنع آلة تملك زر ON فقط… بلا OFF؟

*أم أننا نعيد كتابة “قصة الساحر المتدرب” حين تحولت المكنسة الصغيرة إلى طوفان؟

وعندما يصبح الوكيل قادرًا على إنشاء مهام جديدة، وإعادة ترتيب أولوياته، وتطوير ذاكرته، وتحسين نفسه في كل دورة، فإن الصورة تقترب من رؤية نوربرت وينر مؤسس السايبرنيتيكس: Cybernetics, 1948

*“الآلة التي تتعلم تمتلك نزعة طبيعية إلى الانفلات ما لم تُوضع لها حدود.”

*هكذا يتحول السؤال التقني إلى سؤال وجودي:

*هل الي ما لا نهاية قدر التكنولوجيا… أم فخّ صنعناه بأنفسنا؟

*لست هنا أمام تحذير، ولا أمام تمجيد. نحن أمام مرآة تُعكس على سطحها ملامح عالم جديد؛ عالم بدأت فيه الأكواد البسيطة—مثل BabyAGI—تتحول إلى عوالم مستقلة: تفكر، تتذكر، تتعلم، وتكرر نفسها بلا كلل… وربما بلا توقف.

كنا نرسم رمز الي ما لانهاية في الكراسة كتمرين عابر.

واليوم يتحول الرمز ذاته إلى سؤال مصيري:

*هل الي ما لانهاية حلم الإنسان… أم مصيدته؟

*وفي لحظة تتسارع فيها الوكالات المستقلة، وتتشكل فيها فرق العمل الرقمية، وتدور فيها الخوارزميات في دورات لا تعرف التعب نتذكر قول الله عز وجل في سورة الواقعة *﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾* — سورة الواقعة (63–65).

فما نزرعه قد يخرج عن سيطرتنا، ويصبح حُطامًا إذا لم نفهم حدود صنعنا، تمامًا كما تفعل الخوارزميات المستقلة إذا لم يفرض عليها الإنسان الحوكمة والحدود الأخلاقية. فسينطبق علينا فظلتم تفكهون ونكون في تعجب واندهاش وصدمة.

ويعود صوت رامي قشوع “ممدوح عبدالعليم” من عمق الذاكرة ليقرع باب وعينا:

*“مبيعرفش يوجّفها.”

*والآن…

*من سيوقفها؟

أو حتى… متى ستتوقف؟

*المراجع

Bostrom, N. (2014). Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies. Oxford University Press.

Floridi, L. (2014). The Fourth Revolution: How the Infosphere Is Reshaping Human Reality. Oxford University Press.

Harari, Y. N. (2017). Homo Deus: A Brief History of Tomorrow. Harper.

Heidegger, M. (1977). The Question Concerning Technology. Harper.

Moor, J. (2006). “The Nature, Importance, and Difficulty of Machine Ethics.” IEEE Intelligent Systems.

Wiener, N. (1948). Cybernetics: Or Control and Communication in the Animal and the Machine. MIT Press.

BabyAGI Docs. (2023). GitHub Repository.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version