قلب الثورة الرحيم.. حكاية أول وزيرة مصرية صنعت التاريخ
كتبت :شيرين الشافعي
في صفحات التاريخ المصري الحديث، تبرز أسماء صنعت الفارق وغيرت مسار المجتمع، لكن قليلًا منها حمل بين طياته روحًا إنسانية وعزيمة لا تعرف المستحيل. من بين هذه النماذج الاستثنائية، تتألق الدكتورة حكمت أبو زيد، التي لم تكن مجرد أول امرأة تتولى منصب وزيرة في مصر، بل كانت رمزًا للرحمة والقوة والإرادة، حتى استحقت عن جدارة لقب “قلب الثورة الرحيم”.
وفي هذا السياق، تناول برنامج هذا الصباح على قناة النيل للأخبار تقريرًا مميزًا عن مسيرتها، أعدّته الإعلامية سمر صلاح، وقدّمته بصوت الإعلامية شيرين الشافعي، مستعرضًا رحلة كفاح ملهمة لامرأة سبقت عصرها.
لم يكن لقب “أول وزيرة” كافيًا لوصف إنجازاتها، فقد منحها الزعيم جمال عبد الناصر هذا اللقب الإنساني تقديرًا لدورها الاجتماعي، بينما أطلق عليها الصحفيون “الوزير الشبح” نظرًا لنشاطها الدؤوب وحضورها الفعّال في كل موقع يحتاج إلى دعم ورعاية. تولت وزارة الشؤون الاجتماعية، لتصبح بتلك الخطوة علامة فارقة في تاريخ المرأة المصرية.
وُلدت حكمت أبو زيد في قرية الشيخ داوود التابعة لمركز القوصية بمحافظة أسيوط، حيث بدأت ملامح شخصيتها تتشكل مبكرًا. لم تكن طفلة عادية؛ فقد فضّلت القراءة والمعرفة على اللعب، وسعت منذ صغرها إلى بناء ذاتها علميًا وفكريًا. وخلال دراستها الثانوية، قادت حركة احتجاجية ضد الاحتلال الإنجليزي والقصر، ما أدى إلى فصلها من المدرسة، لكنها لم تتراجع، بل واصلت تعليمها بإصرار.
التحقت بكلية الآداب قسم التاريخ عام 1940، ثم سافرت إلى الخارج لتواصل رحلتها العلمية، فحصلت على الماجستير من أسكتلندا عام 1950، ثم الدكتوراه في علم النفس من جامعة لندن عام 1955. وعادت إلى مصر لتبدأ مسيرتها الأكاديمية في كلية البنات بجامعة عين شمس، بالتوازي مع مشاركتها الوطنية، حيث انضمت إلى المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي عام 1956، وتدربت عسكريًا وسافرت إلى بورسعيد لدعم جهود المقاومة.
وفي عام 1962، تم اختيارها ضمن اللجنة التحضيرية للمؤتمر القومي، قبل أن يختارها الرئيس جمال عبد الناصر في 25 سبتمبر من العام نفسه لتولي وزارة الشؤون الاجتماعية، لتفتح بذلك بابًا جديدًا أمام المرأة المصرية في مواقع القيادة.
وخلال فترة توليها الوزارة، أحدثت نقلة نوعية في العمل الاجتماعي، حيث وسّعت نطاق الخدمات لتصل إلى القرى والنجوع، وأطلقت مشروعات رائدة مثل “الأسر المنتجة” و“الرائدات الريفيات”، وساهمت في إصدار قانون 1964 لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، إلى جانب تطوير برامج الرعاية الأسرية ومؤسسات الأحداث.
ولم تقتصر إسهاماتها على العمل التنفيذي، بل تركت إرثًا فكريًا مهمًا من خلال مؤلفات تناولت قضايا المجتمع والمرأة، مثل: التكيف الاجتماعي في الريف المصري الجديد، ودور المرأة العربية في معركة البناء، وملامح شخصية المرأة البدوية.
وفي سبتمبر عام 2011، رحلت حكمت أبو زيد عن عمر ناهز 90 عامًا، بعد أن حفرت اسمها في ذاكرة الوطن كإحدى رائدات العمل العام، وواحدة من أبرز من مهدوا الطريق أمام المرأة العربية لتتبوأ مواقع القيادة والتأثير.
هكذا تبقى “قلب الثورة الرحيم” نموذجًا خالدًا لامرأة آمنت بدورها، فغيّرت واقعًا، وكتبت صفحة مضيئة في تاريخ مصر.
