حين تكشف التعليقات عوار المجتمع
بقلم / سهير مجدي
في الفترة الأخيرة أصبحت ألاحظ شيئًا يثير قلقي أكثر من الحوادث نفسها. فالحوادث تقع في كل زمان ومكان، والخطأ جزء من الطبيعة البشرية، لكن ما يكشف حقيقة المجتمع ليس الحادثة في حد ذاتها، بل الطريقة التي يتفاعل بها الناس معها.
أصبحت أقرأ التعليقات فأشعر أحيانًا أن المشكلة لم تعد في الفعل الخاطئ، بل في قدرتنا على تمييز الخطأ أصلًا.
منذ أيام انتشرت واقعة لوكيل مدرسة اتُّهم بابتزاز ولية أمر واستغلال حاجتها لمساعدة ابنتها في الامتحان. جريمة أخلاقية وتعليمية وإنسانية مكتملة الأركان. كان من المفترض أن ينصبّ النقاش على استغلال النفوذ، وخيانة الأمانة، وانهيار القيم التي يفترض أن تحكم العملية التعليمية.
لكن المدهش أن عددًا كبيرًا من التعليقات لم يتوقف عند الجريمة نفسها.
انشغل البعض بالسخرية من شكل السيدة، وتعجبوا من أن الرجل قال لها إن عينيها أو جمالها قد شدّاه. فجأة تحولت الضحية إلى مادة للتنمر والسخرية ، وأصبح النقاش يدور حول شكلها بدلًا من الفعل المشين الذي تعرضت له.
وكأن المشكلة لم تعد في الابتزاز، بل في أن المبتز امتلك ذوقًا لا يعجب المعلقين!
هنا أدركت أننا أمام خلل أخلاقي حقيقي. فحين تصبح السخرية من الضحية أهم من إدانة الجريمة، فإننا لا نتحدث عن دعابة عابرة، بل عن ضياع لأولوياتنا الأخلاقية.
وفي واقعة أخرى، ذهب طالب في المرحلة الإعدادية إلى الامتحان مرتديًا شورتًا. اعترض أحد المعلمين على دخوله بهذا الزي، وإن كانت طريقة تبريره للاعتراض محل نقاش، لأن الحديث كان يجب أن ينصب على الانضباط واحترام المؤسسة التعليمية لا على أي شيء آخر.
لكن مرة أخرى، ذهبت التعليقات إلى اتجاه مختلف.
تحول المعلم في نظر البعض إلى شخص مارس إرهابًا نفسيًا ضد الطالب، وتحول مجرد التنبيه إلى مخالفة قواعد المدرسة إلى جريمة تستحق الإدانة. بينما غاب السؤال الأهم: أليست المدرسة مؤسسة لها قواعد؟ أليس هناك فرق بين ملابس النادي وملابس المدرسة؟ أليست التربية في جانب منها تعلّم أبناءنا أن لكل مكان ما يناسبه من سلوك ومظهر؟
الأكثر غرابة أن البعض تعامل مع الأمر وكأن مجرد مطالبة الطالب بالالتزام بقواعد المدرسة اعتداء على حقوقه، بينما احتفى آخرون بأن الطالب لم يرد على المعلم بإساءة، وكأن احترام المعلم أصبح فضيلة استثنائية تستحق التصفيق، لا سلوكًا طبيعيًا نتوقعه من الجميع.
ثم جاءت واقعة ثالثة لا تقل دلالة.
رجل كبير في السن تشاجر مع فتاة شابة داخل المترو، ووصل الأمر إلى أن أمسك بملابسها محاولًا إجبارها على ترك مقعدها له. كان من المفترض أن يكون النقاش بسيطًا وواضحًا: لا يحق لأحد أن يعتدي على أحد، ولا أن يهينه أو يمسكه من ملابسه مهما كان عمره أو مكانته.
لكن بعض التعليقات اتجهت إلى لوم الفتاة نفسها، مطالبين إياها بالصمت والتسامح لأنه رجل كبير في السن.
مرة أخرى ضاع الأصل.
فالاحترام قيمة نبيلة، لكن احترام الكبير لا يعني تبرير الخطأ. والعمر لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية. كما أن التعاطف مع شخص لا يجب أن يجعلنا نتجاهل تجاوزاته.
ما يجمع هذه الوقائع الثلاث ليس الحدث نفسه، بل رد الفعل عليه.
في الواقعة الأولى تم تجاهل الجريمة والانشغال بشكل الضحية.
وفي الثانية تم تجاهل فكرة الانضباط والانشغال بالانفعال.
وفي الثالثة تم تجاهل الاعتداء والانشغال بعمر المعتدي.
وفي كل مرة كانت البوصلة الأخلاقية تنحرف بعيدًا عن جوهر القضية لتتعلق بأمور جانبية لا تمس أصل المشكلة.
لم تصدمني هذه الحوادث بقدر ما صدمني ما كشفته التعليقات. فالحوادث الفردية قد تكشف خطأ شخص، أما التعليقات الجماعية فتكشف أحيانًا حالة مجتمع بأكمله.
وعندما تصبح السخرية من الضحية أهم من إدانة الجريمة، ويصبح الانفعال أهم من المبدأ، ويصبح البحث عن المبررات أهم من مواجهة الخطأ، فالمشكلة لم تعد في الواقعة نفسها، بل في البوصلة الأخلاقية التي فقدت اتجاهها.
إن الانحدار المجتمعي لا يبدأ عندما تكثر الأخطاء، بل يبدأ عندما نتوقف عن رؤيتها على حقيقتها. عندما يصبح شكل الضحية أهم من حقوقها، وعمر المخطئ أهم من خطئه، ومشاعر الناس أهم من المبادئ التي تحكم المجتمع.
فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما يحدث فيها من وقائع، بل بما تكشفه ردود أفعال أبنائها من وعي وقيم وأخلاق.
ولهذا أرى أن السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا حدث؟
بل: ماذا تقول تعليقاتنا عنا؟
“فالحوادث الفردية قد تكشف خطأ شخص، أما التعليقات الجماعية فقد تكشف عوار مجتمع بأكمله.”



