جحيم المقارنات

0

جحيم المقارنات

 

للكاتبة / هاميس جمال

 

سارة!!

 

هي بطلة حكايتنا النهارده.

 

اتعودت سارة كل يوم الصبح تتابع السوشيال ميديا كالمعتاد، ولكن وهي بتتفرج على فيسبوك، وإنستجرام، وتيك توك… إلخ، شافت صديقة ليها وهي بتحتفل بنجاحها، وصديقة تانية مسافرة وبتتصور أجمل صور ليها، والتالتة فرحانة بترقيتها الجديدة في شغلها.

 

هنا سارة قفلت الفون، ودخلت في دوامة من الغضب وأسئلة ملهاش إجابة جواها:

 

• أنا فين من سعادة كل أصدقائي دي؟

• هو أنا ليه مش عايشة حياة زي حياتهم؟

• ولا حتى ناجحة زي نجاحهم؟

 

وبعد كم الأسئلة ده كله، وبعد كتير من التوهان اللي جواها، بدأت سارة تدرك إن المشكلة مش ضرورى تكون في حياة الآخرين… لكن في الطريقة اللي بدأت بيها تقيس حياتها وحقيقتها من خلالهم.

 

وده هو جحيم المقارنات.

 

ولما بقول «جحيم»، فأنا فعلًا أقصد كل حرف بقوله.

 

لأنك لو سألت أي شخص عايش في حالة مقارنة مستمرة بينه وبين الآخرين، هتشوف قد إيه المقارنة ممكن تتحول من مجرد فكرة عابرة إلى مصدر حقيقي للتعب النفسي.

 

طيب إيه رأيك عزيزي القارئ نعرف أسباب المقارنات؟

 

وهل كل شخص بيقارن نفسه بغيره يبقى عنده مشكلة نفسية؟

 

وهل المقارنات كلها سلبية؟ ولا ممكن يكون لها جانب إيجابي؟

 

يلا بينا في رحلة سريعة، عبارة عن عدة محطات، هنمشيها جوه نفسية وعقلية الشخص اللي حابس نفسه جوه دوامة المقارنات.

 

 

المحطة الأولى: يعني إيه أصلًا مقارنة؟

 

المقارنة الاجتماعية ببساطة هي إن الإنسان يقارن نفسه بالآخرين علشان يقيّم نفسه أو يعرف هو واقف فين بالنسبة لغيره.

 

وده سلوك بشري طبيعي جدًا.

 

كلنا بنقارن في أوقات معينة، وده مش معناه إن عندنا مرض نفسي.

 

المشكلة مش في إنك تقارن نفسك مرة أو مرتين…

 

المشكلة تبدأ لما المقارنة تتحول إلى طريقة ثابتة للحكم على نفسك وقيمتك.

 

 

المحطة التانية: أسباب المقارنة

 

من أهم أسباب المقارنة إنك تعيش في حالة تقييم ذاتي مستمر.

 

ببساطة كده، أنت حاطط نفسك تحت الميكروسكوب طول الوقت:

 

يا ترى أنا نجحت ولا فشلت؟

 

يا ترى الناس بتحبني ولا بتحب الآخرين أكتر مني؟

 

يا ترى أنا أحسن منهم ولا أقل منهم؟

 

وتبدأ تربط قيمتك الشخصية بمدى إعجاب الآخرين بيك و نجاحك مقارنة بيهم.

 

وفي أحيان كتيرة، ممكن يكون للتربية والنشأة دور في ده، خصوصًا لو الطفل تعود طول الوقت يسمع:

 

«شوف فلان أشطر منك.»

 

«بص فلانة جابت درجات أعلى منك.»

 

«أنت ليه مش زي أخوك؟»

 

ومع تكرار المقارنات، ممكن الطفل يكبر وهو مقتنع بشكل غير واعٍ إن قيمته لازم تتقاس بإنجازاته مقارنة بالآخرين.

 

وساعتها بيحتاج مش للسخرية أو اللوم…

 

لكن للفهم والاحتواء وإعادة بناء نظرته لنفسه.

 

 

سبب تاني: ضعف الثقة بالنفس

 

لما يكون الإنسان مش شايف قيمته الحقيقية من جواه، ممكن يبدأ يدور عليها في حياة الآخرين.

 

نجاح غيري يبقى دليل على فشلي.

 

جمال غيري يبقى دليل على إن شكلي أقل.

 

سعادة غيري تبقى دليل على إن حياتي ناقصة.

 

وهنا المقارنة بتتحول من وسيلة لمعرفة الذات إلى وسيلة لجلد الذات.

 

 

سبب تالت: البحث المستمر عن تقدير الذات

 

في أشخاص بيكون عندهم احتياج شديد لإثبات نفسهم.

 

مش بس عايزين ينجحوا…

 

لكن عايزين يثبتوا إنهم أحسن من غيرهم.

 

وهنا النجاح نفسه مش كفاية.

 

لأن راحة الشخص بتتوقف على إنه يكون متفوق على الآخرين .

 

 

الشخصية التنافسية

 

التنافس في حد ذاته مش جريمة .

 

بالعكس، دة ممكن يكون حافز قوي للتطور.

 

لكن لما يتحول التنافس إلى صراع مستمر و يصبح نجاح الآخرين تهديد شخصي ، هنا تبدأ المشكلة.

 

الشخص وقتها مايبقاش سعيد بنجاحه…

 

إلا لو كان شايف نفسه متفوق على غيره.

 

 

وماذا عن الشخص النرجسي؟

 

هنا لازم نفرّق بين السلوك النرجسي وبين تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية.

 

الشخص اللي عنده سمات نرجسية ممكن يكون شديد الحساسية تجاه نجاح الآخرين، وقد يحاول التقليل من إنجازاتهم أو التقليل من قيمتهم علشان يحافظ على صورته عن نفسه.

 

لكن مش معنى كده إن كل شخص بيقارن نفسه بغيره هو نرجسي.

 

ومش كل شخص نرجسي بيتصرف بنفس الطريقة.

 

وأنا شخصيًا قابلت في حياتي أشخاصًا حاولوا يقللوا مني ومن نجاحي.

 

لكن اخترت أتعامل معاهم بمبدأ:

 

«علاج الجاهل هو التجاهل.»

 

وأكمل طريقي ونجاحي زي ما أنا.

 

وأحيانًا فعلًا، أفضل رد على الشخص اللي بيحاول يقلل منك هو إنك ما تسمحلوش يسحبك لمعركته.

 

 

المحطة التالتة: عيوب المقارنات

 

من أولى عيوب المقارنات إنها ممكن تدخلك في دائرة شك مستمرة في نفسك وفي قدراتك.

 

كل ما تشوف حد ناجح، تسأل نفسك:

 

«طب وأنا؟»

 

وكل ما تشوف حد سبقك في حاجة، تبدأ تحس إنك متأخر.

 

ومع الوقت، ممكن تفقد جزءًا من سلامك النفسي بسبب الضغط المستمر على نفسك علشان تثبت إنك ناجح.

 

وممكن كمان تبدأ تراقب حياة الآخرين أكتر ما تعيش حياتك أنت.

 

مين اشترى؟

 

مين سافر؟

 

مين اترقى؟

 

مين اتجوز؟

 

مين نجح؟

 

مين سبقني؟

 

وتنسى أهم سؤال:

 

هو أنا عايز إيه أصلًا ؟

 

والمشكلة الأكبر إن المقارنة المستمرة ممكن تخليك تنظر للآخرين باعتبارهم منافسين، بدل ما تشوفهم كبشر عندهم ظروف مختلفة عن ظروفك.

 

وساعتها ممكن تتحول من شخص بيحاول يطوّر نفسه…

 

إلى شخص مشغول بمحاربة الآخرين والتقليل منهم.

 

وهنا أنت مش بس بتخسر راحتك…

 

أنت بتخسر نفسك.

 

 

المحطة قبل الأخيرة: مين الأكثر عرضة للمقارنات؟

 

خلينا هنا نكون دقيقين.

 

المقارنة الاجتماعية ممكن تحصل لأي شخص، ومش مرتبطة بمرض نفسي واحد.

 

لكن بعض الأشخاص قد يكونون أكثر عرضة لها، خصوصًا الأشخاص اللي عندهم انخفاض في تقدير الذات، أو قلق اجتماعي، أو حساسية شديدة تجاه تقييم الآخرين، أو خوف من الرفض والفقد.

 

وبعض الاضطرابات النفسية قد تتداخل معها المقارنات بشكل أكبر عند بعض الأشخاص، لكن ده لا يعني إن كل شخص لديه اضطراب نفسي معين لازم يكون شخصًا مقارنًا، ولا إن كل شخص يقارن نفسه بالآخرين عنده اضطراب نفسي.

 

ودي نقطة مهمة جدًا: المقارنة وحدها مش تشخيص.

 

 

المحطة الأخيرة: مميزات المقارنات!

 

إيه ده؟

 

هو بعد كل اللي قلته والكوارث اللي كتبتها، هنقابل مميزات؟

 

أحب أطمنك عزيزي القارئ و أقولك طبعًا.

 

لأن مش كل مقارنة شر.

 

أحيانًا المقارنة الصحية ممكن تساعدك إنك تعرف نفسك أكتر.

 

ومن فوائد المقارنة الصحية:

 

١- تكون حافز إنك تتقدم للأمام.

 

لما تشوف شخصًا ناجحًا، ممكن بدل ما تقول:

 

«ليه هو وأنا لأ؟»

 

تقول:

 

«إيه اللي أقدر أتعلمه منه؟»

 

 

٢- تساعدك تقيّم نفسك بصورة واقعية.

 

مش بهدف جلد الذات، ولا بهدف إثبات إنك أحسن من غيرك…

 

لكن علشان تعرف أنت فين، وإيه اللي محتاج تطوره.

 

 

٣- تساعدك تشوف عيوبك وتحاول تصلحها.

 

بشرط إنك تشوفها بعين الرحمة والواقعية، مش بعين القسوة والاحتقار.

 

 

وفي النهاية…

 

عزيزي القارئ،

 

حاول تحب نفسك وتقبلها زي ما هي.

 

اعرف إن لكل إنسان توقيته، وظروفه، ورحلته الخاصة.

 

الصورة اللي شفتها على السوشيال ميديا مش حياة كاملة…

 

دي مجرد لحظة منتقاة من حياة شخص آخر.

 

فما تقارنش كواليس حياتك بأجمل لقطة في حياة غيرك.

 

وما تخليش نجاح شخص تاني يتحول في عقلك إلى دليل على فشلك.

 

نجاح غيرك مش معناه إنك فشلت.

 

وسعادة غيرك مش معناها إن نصيبك من السعادة خلص.

 

وتأخر حلمك مش معناه إن حلمك مش هييجي.

 

كل واحد له طريقه…

 

وكل واحد له توقيته…

 

فابعد عن جحيم المقارنات، وارجع عيش حياتك أنت.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version