بيت على الرمل

0

بيت على الرمل

 

للكاتبة / هاميس جمال

 

حكاية النهاردة حقيقية، وأعتقد إنها مش مجرد حكاية لبنوتة واحدة، لكنها حكاية واقعية لبنات كتير جدًا كان حلمهم بيت هادي، وزوج صالح، وأسرة مترابطة.

 

بطلتنا بتحكي وبتقول إنها كانت طفلة مرحة جدًا، بتحب تلعب بعروستها، وكأن جواها فراشة طايرة بخيال واسع، مليان بهجة وحب للحياة.

 

كبرت… وكبر معاها الحلم.

 

حلم البيت، والزوج الصالح، والأولاد.

 

وبرغم إن كتير من العرسان اتقدموا لها، إلا إنها اختارت الشخص الهادي والحبوب من مجتمعه ودائرة معارفه.

 

نسيت أقول لكم إنها كانت بتحكي لي حكايتها بنفسها، وقالت لي إنه كان مجرد عريس صالونات.

 

وخلال أيام معدودة… تم الجواز!

 

أكيد أنتم شايفين نفس اللي أنا شيفاه.

 

التسرع في اتخاذ قرار الجواز، من غير معرفة عميقة بطبع الشخص اللي هنكمل معاه العمر.

 

ولكن…

 

وآه من كلمة ولكن!

 

بتكمل الزوجة كلامها معايا، وجواها تنهيدة ألم مالهاش صوت، غير جواها هي وبس.

 

قالت لي:

 

اكتشفت إنه صامت تمامًا.

 

مفيش بينا أي حوار، مهما حاولت أفتح معاه كلام.

 

وقتها اتولد جوايا شعور رهيب بالوحدة.

 

طول الوقت أنا بين أربعة حيطان.

 

كان دايمًا يرجع من شغله، يأكل، وينام، ويصحى يمسك الفون طول الوقت.

 

ومهما حاولت أفتح معاه أي حوار، كان بينهي الكلام بجملة أشد قسوة من الحوار نفسه:

 

«اسكتي، أنا مش عايز دوشة.»

 

أو:

 

«إنتِ تفهمي إيه في الدنيا علشان تتكلمي أو تقولي رأيك؟»

 

جملة ورا جملة…

 

انطفت جواها السعادة.

 

وانطفى الشغف اللي كانت عايشة بيه.

 

وبدأت مع الوقت تحس إنها فعلًا قليلة في نظره.

 

لكن أصعب حاجة كانت عليها…

 

إنها كانت بتشوفه بيتكلم كتير جدًا مع ناس تانية غيرها.

 

وهنا نزلت دموعها من غير ما تحس.

 

وأنا من إحساسي بوجعها، قعدت قدامها ساكتة.

 

معرفتش أقول إيه.

 

ولا حتى لقيت كلمة واحدة أقدر أواسيها بيها.

 

بصت لي بشدة وسألتني:

 

«هاميس… هو فعلًا أنا مستحقش أتحب؟»

 

سألتها:

 

«ليه بتقولي كده؟»

 

كملت كلامها وقالت:

 

«لأن كل تصرفاته معايا بتقول كده.»

 

السؤال ده فضل جوايا.

 

مش لأنها سألتني أنا وبس…

 

لكن لأن في ناس كتير جدًا ممكن تكون عايشة نفس الإحساس، وبتسأل نفسها السؤال نفسه في صمت:

 

«هو أنا فعلًا مش مستحق أتحب؟»

 

كانت نصيحتي ليها إنها تخرجه بره حساباتها مؤقتًا، وتبدأ تشتغل على نفسها.

 

تاخد كورسات.

 

ترجع لأصدقائها، واللي كانت صدمتي كبيرة لما قالت إنها انقطعت عنهم بناءً على طلب منه.

 

ترجع لهواياتها اللي حبتها زمان.

 

ترجع تحب نفسها وتهتم بيها.

 

وتفتكر إنها إنسانة لها قيمة، سواء الآخر شاف القيمة دي أو لأ.

 

وانتهى لقاءنا لحد كده.

 

لكن طول الطريق وأنا بفكر في حجم الألم اللي عاشته، وقد إيه قلبي اتوجع من حكايتها.

 

هي عايشة جوه جحيم…

 

مع زوج موجود معاها بجسده، لكن غايب عنها بروحه وكلامه واهتمامه.

 

واكتشفت إنها، من غير قصد منها، كانت بتبني بيتها على الرمل…

 

مش على الصخر.

 

وهنا أقصد بالرمل إن البيت اللي من غير أساس قوي، ممكن أقل موجة من أمواج الحياة تهزه.

 

وأحيانًا… توقعه.

 

لحد كده خلصت حكاية النهاردة.

 

وطبعًا كان لازم آخد إذن صاحبة القصة قبل نشرها.

 

لكن تعالوا نعرف مع بعض:

 

إيه الفرق بين بيت مبني على الرمل… وبيت مبني على الصخر؟

 

البيت المبني على الصخر

 

هو البيت اللي أساسه التفاهم بين الزوجين.

 

والتفاهم هنا مش معناه إن الزوجين لازم يكونوا نسخة من بعض.

 

لكن معناه إن يكون بينهم قدر كافٍ من التفاهم الفكري والاجتماعي والثقافي، وإنهم يعرفوا يتعاملوا مع اختلافاتهم بالحوار والاحترام.

 

تفاهم على طريقة تربية الأطفال، والقيم اللي عايزين يزرعوها في أولادهم.

 

تفاهم على شكل الحياة اللي عايزين يعيشوها.

 

وتفاهم على نظام البيت، بحيث مايبقاش كل واحد عايش وكأنه لوحده.

 

وعمود تاني مهم جدًا:

 

«المشاركة»

 

المشاركة في كل ما يخص الحياة المشتركة.

 

التخطيط المالي.

 

إدارة مصاريف الأسرة.

 

اتخاذ القرارات.

 

وتحمل مسؤوليات البيت والأولاد.

 

الزوج يساعد زوجته ولو بحاجات بسيطة، ويقدر تعبها ومجهودها في البيت وتربية الأطفال.

 

والزوجة تقدر مجهود زوجها وتعبه ومسؤولياته في شغله.

 

مش معنى إن كل واحد له دور مختلف إن دور واحد أهم من التاني.

 

وعمود تالت:

 

«التقدير والاحترام»

 

إن كل طرف يحافظ على كرامة الطرف الآخر.

 

خصوصًا قدام الأولاد، وقدام الأهل.

 

لأن الكلمة اللي بنقولها ممكن تنتهي في لحظتها…

 

لكن أثرها ممكن يفضل سنين.

 

وعمود رابع:

 

«الأحلام المشتركة»

 

إن يبقى فيه أحلام وطموحات للمستقبل.

 

مش كل واحد بيجري في اتجاه.

 

لكن الاتنين بيحاولوا يرسموا شكل الحياة اللي نفسهم يعيشوها، ويراجعوا خططهم كل ما الحياة تتغير.

 

هو ده البيت اللي مبني على الصخر.

 

طيب…

 

بما إننا عرفنا شكل البيت القوي، إيه بقى البيت المبني على الرمل؟

 

البيت المبني على الرمل

 

هو البيت اللي أساساته ضعيفة.

 

بيت مفيهوش حوار، ولا احترام، ولا مشاركة، ولا تقدير.

 

وممكن من أقل موجة من موجات الحياة يبدأ يتصدع.

 

تعالوا نشوف إيه اللي ممكن يحول البيت لبيت مبني على الرمل:

 

1- الخرس الزوجي

 

لما يسكت الزوجين عن كل حاجة، ويبقى الكلام بينهم قليل أو معدوم، وكل واحد يعيش عالمه لوحده.

 

الصمت أحيانًا بيكون أهدى من الخلاف…

 

لكن الصمت المستمر ممكن يبني حائط بين اتنين كانوا في يوم من الأيام أقرب شخصين لبعض.

 

2- عدم الاحترام المتبادل

 

خصوصًا قدام الأولاد أو الأهل.

 

لأن البيت اللي تنهار فيه قيمة الاحترام، بيبدأ الأمان نفسه يهتز جواه.

 

3- النقد المستمر

 

لما يتحول الكلام بين الزوجين إلى لوم وانتقاد وسخرية، بدل ما يكون فيه حوار ومحاولة للفهم والإصلاح.

 

4- وجود طرف ثالث بين الزوجين

 

ومش المقصود هنا الخيانة بس.

 

لكن كمان تدخل أي شخص في تفاصيل العلاقة الزوجية تحت مسمى «إصلاح المشاكل».

 

أحيانًا المشكلة مش في وجود شخص بيساعد…

 

المشكلة في إن الزوجين يفقدوا قدرتهم على إدارة حياتهم بأنفسهم، وكل خلاف يتحول إلى قضية عائلية.

 

5- الاهتمام بمن هم بره البيت وإهمال الطرف الآخر

 

سواء كانوا أهل أو أصدقاء أو أي أشخاص آخرين.

 

مش معنى إننا نحب الناس اللي حوالينا إننا نهمل أقرب إنسان لينا.

 

البيت محتاج اهتمام.

 

والعلاقة محتاجة وقت.

 

والقلوب محتاجة كلمة حلوة.

 

وده هو الفرق بين بيت مبني على الرمل…

 

وبيت مبني على الصخر.

 

عزيزي القارئ…

 

لازم نتعلم إن البيت المبني على الصخر محتاج وقت كافٍ للاختيار.

 

محتاج معرفة.

 

ومحتاج وعي.

 

ومحتاج إننا نبص للشخص اللي قدامنا بعقلنا، مش بلهفة البدايات وحدها.

 

لأن البيت عمره ما كان فستان أبيض وطرحة…

 

ولا بدلة سودا وكرافت أنيق.

 

البيت حياة.

 

والبيت شراكة.

 

والبيت مسؤولية.

 

والبيت مش مجرد يوم فرح…

 

البيت هو الأيام اللي بعد يوم الفرح.

 

هو الشخص اللي هتلاقيه جنبك لما تفرحي.

 

ولما تتعبي.

 

ولما تختلفوا.

 

ولما الحياة تضغط عليكم.

 

فاسأل نفسك قبل ما تختار:

 

هل الشخص اللي قدامي أقدر أبني معاه بيت؟

 

ولا أنا بس منبهر بفكرة البيت؟

 

لأن الفرق كبير…

 

بين إنك تختار شكل الحياة…

 

وإنك تختار الشخص اللي هتعيش معاه الحياة.

 

وفي النهاية…

 

البيت بيتك أنت.

 

اختار الأساس بعناية.

 

لأن البيت اللي بيتبني على الرمل…

 

ممكن يبقى شكله جميل جدًا.

 

لكن أول موجة حقيقية…

 

هي اللي هتختبر أساساته.

 

فإنت هتختار تبنيه على الرمل… ولا على الصخر؟

 

دمتم بخير، أعزائي القراء، دائمًا وأبدًا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version