ذكرى وفاة القائد أسامة بن منقذ الكلبي
نشأ في سوريا أصبح مؤرخاً ومستشاراً للزنكيين والعبيديين والأيوبيين، هَزَم الفرنجة بعد أن عاش معهم سابقا وعرف صفاتهم وأطباعهم.
ففي مثل هذا اليوم
توفي القائد أسامة بن منقذ الكلبي، الذي إستطاع بكتبه أن يقدم لنا حقبة زمنية بصورة واضحة نتيجة تنقله بين البلاد ومشاركته في قيادتها ومعاركها.
وقد توفي في 26 رمضان 584 هجري
–
والموافق في تاريخ 1188/11/18 م
وهذه 10 نقاط تلخص سيرته:
1- هو أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ الكلبي، ولد عام 1095م في قلعة شيزر شماليَّ حماة في سوريا حاليا، ونشأ فيها في وسط أسرته من بني منقذ، وهي أسرةٌ معروفةٌ بالعلمِ والأدبِ والفروسيةِ، وكانوا حكام قلعة شيزر وما حولها منذ عام 1025م، وعندما كان عمره 4 سنوات نجحت أسرته في حماية مناطقها من الجيوش الفرنجية التي إحتلت فلسطين ولبنان وغرب سوريا عام 1099م، وسيكون لقلعة شيزر دور بطولي في مقاومة الفرنجة الطامعين بها نتيجة موقعها الإستراتيجي وقربها من الأراضي التي إحتلوها.
2- كانت أول مشاركة له في الحرب عام 1110م وهو بعمر ال 15 سنة، عندما قام تانكرد أمير إمارة أنطاكيا الفرنجية بمهاجمة قلعة شيزر وحصارها ونهب مناطقها، فشارك أسامة بالمقاومة، ولم ينتهي الحصار إلا بعد أن وافق حاكم القلعة أنذاك سلطان بن منقذ عم أسامة على دفع الجزية، وفي العام التالي قام أمير انطاكيا ببناء قلعة مقابل قلعة شيزر، فقام بنو منقذ بمراسلة مودود حاكم الموصل ومن هنا بدأت تحالفات بنو منقذ ضد الفرنجة.
3- في عام 1111م شارك أسامة في معركة شيزر والتي نجح فيها الأمير مودود في استرداد أراضي قلعة شيزر بعد أن إنتصر على الفرنجة بقيادة ملكهم بلدوين الأول، وفي عام 1114م سيطر الإسماعيليون على قلعة شيزر بهجوم فجائي من الداخل ولكن إستطاع بنو منقذ إستردادها سريعا، وفي عام 1115م فشل تحالف جيش الفرنجة وجيش طغتكين الدمشقي وإلغازي المارديني في دخول قلعة شيزر.
4- في عام 1127م تحالف بنو منقذ مع عماد الدين زنكي، ومن هنا بدأت قيادة أسامة بن منقذ وصحبته للحكام بعد أن كان سابقا جنديا، فأصبح مقربا من عماد الدين زنكي، وكان أسامة أحد قادة الجيش المنتصر على ملك دمشق إسماعيل بوري عام 1133م، وكان أحد قادة الجيش المنتصر على الحصار الفرنجي البيزنطي لقلعة شيزر عام 1138م، وفي نفس العام توفي مرشد والد أسامة، فأصبح أسامة ولي عهد عمه الحاكم سلطان بن منقذ، ولكن بعد أن رزق عمه بولد أمر بنفي أسامة وإخوته، فوقعت الفتنة بين أسامة وعمه وانتهت بانتصار عمه نتيجة مساندة الزنكيين له، فخرج أسامة وإخوته من القلعة وذهب إلى حاكم دمشق معين الدين أنر.
5- في عام 1140م قام معين الدين أنر بإرسال أسامة بن منقذ إلى القدس عاصمة الفرنجة أنذاك ليعقد معاهدة تحالف ضد عماد الدين زنكي، ويعتبر هذا الأمر من أخطاء أسامة الذي فعلها بسبب تأييد زنكي لعمه ضده، وأيضا من أسباب ذهاب أسامة للفرنجة رغبته في الإختلاط بهم ومعرفتهم عن قرب ودراسة أطباعهم، فقد كان أسامة أيضا مؤرخا وعالم اجتماع وزارهم أكثر من مرة حتى عام 1143م، وسجل صفاتهم حيث مدح فيهم الشجاعة والفروسية والتعايش، وذم فيهم جهلهم وجفاء أخلاقهم وعدم الغيرة على نسائهم.
6- في عام 1144م حاول أسامة أن يسيطر على دمشق ولكنه فشل فهرب إلى مصر التي يحكمها العبيديون، وهناك أصبح شديد الثراء ومستشارا لوزير مصر العادل بن السلار، وفي عام 1149م قام الوزير العادل بإرسال أسامة إلى نور الدين زنكي لعقد تحالف ضد الفرنجة ولكن المفاوضات فشلت، وفي عام 1153م قاد أسامة بن منقذ حربا ضد الفرنجة إستمرت لمدة 4 أشهر فقاتلهم بعدة معارك قرب عسقلان وبيت جبرين داخل فلسطين واستشهد فيها شقيقه علي وأسر شقيقه محمد، وفي عام 1154م قُتل الوزير العادل، وهرب أسامة من مصر فخسر كل ثروته، وإلتجأ أسامة للأمير نور الدين زنكي في دمشق.
7- راسل أسامة عمه ليفتدي أخاه الأسير عند الفرنجة فرفض عمه، فطلب أسامة ذلك من نور الدين زنكي فوافق وفك أسره بدفع 10000 دينار، وكان أسامة قد وصل دمشق وهو في أسوأ حال، فأعاد إليه زنكي مركزه وأكرمه وقدمه، وراسله وزير مصر طلائع بن رزيك أن يرجع لمصر ويوليه أسوان، فاستشار أسامة نور الدين فقال له: «أما كفاك ما لقيت من مصر وفتنها؟»، فاعتذر أسامة لطلائع، وشارك أسامة بسلسلة معارك زنكي ضد الفرنجة، وكانت هناك مودة كبيرة بين أسامة بن منقذ ووزير مصر طلائع بن رزيك، وقد جرت بين بينهما مراسلاتٌ شعرية أدبية تحدث فيها عن بعض المعارك التي خاضها ضد الفرنجة، وهذه القصائد تعد وثيقة تاريخية؛ لأنه عدَّد فيها أسماء المعارك والقادة، وذكر نتائجها، وكما أنه وثق بقصائده معارك عماد الدين ونور الدين زنكي التي حدثت زمن تواجد أسامة في دمشق ومصر.
8- في عام 1157م وقع زلزال عظيم في شيزر، قتل فيه الحاكم محمد بن سلطان بن منقذ ابن عم أسامة وعدد كبير من بني منقذ، فشاء الله أن يكون نفي أسامة قبل سنوات سببا لنجاته، ثم شارك أسامة بمعارك زنكي ضد الفرنجة وكان أهمها معركة حارم عام 1164م، وكان أسامة بقمة الشجاعة والإقدام رغم أن عمره يقارب ال70 عاما، وبعد المعركة قرر أسامة ترك دمشق والإنعزال في حصن كيفا للعبادة والكتابة.
9- من مؤلفات أسامة بن منقذ ديوانه الشعري، وكتب الاعتبار، البديع في نقد الشعر، المنازل والديار، العصا، مناقب عمر بن الخطاب، مناقب عمر بن عبد العزيز، أخبار أهله، أخبار البلدان، أخبار النساء، أزهار الأنهار، التاريخ البدري، تاريخ القلاع والحصون، التأسي والتسلي، الثجائر المربحة والمساعي المنجحة، ردع الظالم ورد المظالم، الشيب والشباب، فضائل الخلفاء الراشدين، مجموع أشعار المحدثين، المكاتبات والأشعار، نصيحة الرعاة، النوم والأحلام، وكل هذه الكتب وغيرها تدل على سعة علمه في الشعر والسياسة والتاريخ والعسكرية والدبلوماسية والمجتمعات وكتب أغلبها بين عامي 1164م و 1174م خلال إنعزاله في حصن كيفا.
10- في عام 1174م طلب السلطان صلاح الدين الأيوبي من أسامة بن منقذ أن يعود لدمشق، فعاد أسامة وأصبح مستشارا لصلاح الدين الأيوبي نظرا للحنكة والخبرة الواسعة ومعرفته بالبلاد والشعوب، وكانت بينهما علاقة طيبة منذ عملهما في حاشية نور الدين زنكي، وكان صلاح الدين يفضل ديوانه على جميع الدواوين الشعرية، وكان أقرب الناس له مع القاضي الفاضل وعماد الدين الأصفهاني، فكان بينه وبين صلاح الدين مناقشة مستمرة في الأدب والحرب، وتوج أسامة بن منقذ أعماله حينما شارك بنفسه في الإنتصار في معركة حطين عام 1187م رغم أنه كان قد جاوز التسعين من عمره، ولم يستمر بعد المعركة طويلا حيث توفي في 26 رمضان 584 هجري الموافق 1188/11/18 م، وقال صلاح الدين الأيوبي عندما وصل خبر وفاته: «مات اليوم شاعر الأمة وفارسها»، واستقبل صلاح الدين المعزين بنفسه، وأمر بدفنه في جبل قاسيون.
**** المصادر:
1) الإعتبار، أسامة بن منقذ الكلبي
2) المنازل والديار، أسامة بن منقذ الكلبي
3) ديوان أسامة بن منقذ، أسامة بن منقذ الكلبي
4) وفيات الأعيان، ابن خلكان
5) شذرات الذهب، ابن العماد
6) تاريخ دمشق، ابن عساكر
7) الروضتين في تاريخ الدولتين، ابو شامة المقدسي
8) معجم البلدان، ياقوت الحموي
9) البداية والنهاية، ابن كثير
كتب بقلم:
المؤرخ تامر الزغاري

