كان فيلم «الرسالة» حدثًا عربيًا وعالميًا كبيرًا، كان نادرًا أن تقدم أى جهة إنتاج على صنع فيلم واحد، بنسختين، إحداهما عربية بأبطال معظمهم عرب وبلغة عربية، والأخرى إنجليزية بأبطال أجانب وناطقة باللغة الإنجليزية. لكن منتجو فيلم «الرسالة» المختلف على الجهة الممولة لهم حتى كتابة هذه السطور، أقدموا على هذا الأمر الغريب.
مصطفى العقاد، هو المخرج السورى العالمى الذى ولدت فى رأسه الفكرة، ووافقه عليها الممولون. بنظرة بسيطة على تترات فيلم «الرسالة» ستجد فى لوحة كتاب هذا الفيلم أسماء تشيب لها الرؤوس، أولها اسم عبدالحميد جوة السحار، وثانيها توفيق الحكيم، وثالثها عبدالرحمن الشرقاوى، ورابعها محمد على ماهر، بالاشتراك مع السيناريست العالمى هارى كريج، كاتب فيلم «عمر المختار
ربما فريق الكتابة لم يشكل أزمة لدى مصطفى العقاد، فتلك الأسماء تستطيع – بعد موافقة الأزهر والمجلس الأعلى الشيعى فى البداية – أن تكتب فيلمًا عالميًا، لكن الأمر الذى كان يمثل صداعًا فى رأس المخرج الكبير حينها هو الممثل الذى سيقوم بدور البطولة فى النسخة العربية ونظيرتها فى الإنجليزية. وكان البطل – باستقرار كتيبة الكتاب الكبار – هو حمزة بن عبدالمطلب، عم الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
عبدالله غيث، المولود فى 28 يناير سنة 1930 كان حينها يبلغ من العمر 43 عامًا. كان فى أوج مجده المسرحى. قدم الكثير من المسرحيات الشعرية، ولكنه يظل أحد أهم من نطقوا اللغة العربية من الممثلين، لسلامة مخارج ألفاظه، وقوتها، وجسارتها
اختاره العقاد، وأرسل له تاكفور أنطونيان، المشرف على إنتاج الفيلم. يحكى عبد الله غيث فى تصريحات تلفزيونية: «تلقيت مكالمة من المنتج العربى تاكفور أنطونيان ليقول إن هناك مخرجًا عربيًا أمريكيًا سيعمل فيلم عالمى اسمه (الرسالة) وعاوزين ممثلين مصريين وعاوز يقابلنى، وأنا لم آخذ الموضوع بجدية لأنه سبق وجاء إيطاليون وطلبوا نفس الأمر وصورونا لكن الأدوار كانت بعيدة تماما عن مكانتنا وفيها إساءة لنا».
تحدد الموعد، والتقى غيث بالمخرج مصطفى العقاد الذى أخبره أنه يعمل على الفيلم منذ 6 سنوات، وأنه مرشح لدور «حمزة» وهو ليس ترشيحًا نهائيًا، عليه أولا أن يرتدى ملابس الشخصية ويتم التقاط صور له ثم ترسل إلى لجنة فى لندن هى التى تحدد إن كان ملائما للدور أم لا، لم يتردد وخضع للاختبار وبعد شهر قالوا له إنه حصل على الدور!
لكن بعد سماعه ترشيح اسم أنتونى كوين، بدا عليه القلق. ولكن هذا القلق زال تمامًا عندما عرف أنه مرشح لدور أبى سفيان بن حرب، والذى أداه فى النسخة العربية شقيقه حمدى غيث. قرأ أنتونى كوين، الذى ملأ الدنيا صخباً بدوره الأهم والأقوى فى فيلم «زوربا اليوناني»، سيناريو فيلم «الرسالة» فأعجبه دور حمزة.
هنا جاء القلق ليطرق باب عبدالله غيث مجددًا، ولكنه قبل التحدى. «شعرت برعشة وخوف من هذا الغول الفنى، هو أحسن ممثل سينمائى، وروحه شرقية قريبة منا»، قال عبدالله غيث.
الآلاف الآن أمام الاثنين، الآلاف يشاهدون تصوير الفيلم الكبير والمهم، لكن طلباً غريبًا قلب الأمور رأسا على عقب.
طلب أنتونى كوين الممثل الكبير أن يقوم عبدالله غيث بتصوير مشاهده أولاً، ليرى كيف يتصرف المصرى العربى فى دور «حمزة». توترت الأجواء، وشعر النجم المصرى الكبير بمسؤولية أكبر. رفض، ثم قبل التحدى. قال عبدالله غيث عن هذا الموقف: «كنت أسمع دقات قلبى، قرأت فاتحة الكتاب أكثر من 100 مرة، وعندما استدعونى للتصوير تملكتنى سكينة وهدوء كبيرين، قلت لنفسى لا تخف من أنتونى كوين، أنت ابن حضارة كبيرة، توكل على الله، وحمزة فى النهاية عربي».


