- بين شرارة اللحظة وغياب الغد: انتش واجري..
قراءة في إبداعات جيل زد والهوة المتّسعة بين البحث العلمي وحلول الذكاء الاصطناعي السريعة
✍️ بقلم د. محمد متولي
عندما كنت صغيرا كانت امي تذكرني بمقولة مستقرة في وجداني “اللحظةُ قد تُضاء بنورها، لكن الغد يحتاج إلى جذور”
في مساءٍ يضجّ بالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، كنت أعبر بوابات معرض Cairo ICT كمن يدخل دربًا بين زمنين: زمن يولد بسرعة الضوء، وآخر يتنفس على مهل كأنفاس الحكمة الأولى. كان الهواء مشبعًا بصفير الأفكار وبريق العيون الشابة التي تحمل شرارات المستقبل، لكنني وسط هذه الحيوية لمحت ما يشبه الظل الممتد، ظل الغد الذي لم يُفكر فيه بعد. فكل فكرة كانت تلمع كنيزك لكنها لا تجد مدارًا تستقر فيه، وكل مشروع بدا وكأنه وُلد ليُعرض… لا ليعيش. كيف والأفكار بدون جذور كأوراق في الريح، تلمع ثم تتلاشى.
بينما كنت أتابع المهندس المبدع أشرف توكل وهو يحاول أن يبني من خلال منهج Design Thinking جسرًا بين سرعة الجيل وعمق المنهج. كان شرحه رصينًا ومنطقيًا: ب Empathize والتي ترجمها ترجمة إبداعية بالمواجدة ثم انتقل الى insights weaver وصناعة القيمة ونموذج main value proposition وانتقل الى توليد الأفكار ثم النموذجة business model canvas وأخيرا الاختبار. كان يحث الشباب على التوقف، على فهم جذور المشكلة قبل القفز إلى الحلول، مؤكدًا أن الابتكار الحقيقي يحتاج إلى عمق وتأمل، لا مجرد سرعة..
ولكن، بنهاية المعرض، وبعد حضور هذه الجلسات، طُلب منا المشاركة بفكرة جديدة مختلفة عن تلك التي كنا نعمل عليها. شعرت حينها، كما شعر الفريق، بالتصادم بين الفهم النظري الذي اكتسبناه خلال الجلسات وبين ثقافة المشاركة الفورية “سلق الأفكار” التي يفرضها الوقت القصير والمنصة. كان التحدي أن ننتقل من التفكير المتأمل إلى التنفيذ السريع، في زمن لا يتجاوز دقائق، لنقدم شيئًا ملموسًا على الفور، وكأننا نطبخ “مرقة اللحظة ماجي الفورية” بدلًا من “مرق العظام الحقيقي” الذي يحتاج إلى وقت طويل ليكتسب نكهته ويصقل جوهره كما الصخور الرسوبية حين تشكلها تعاريج الزمان.
في حوالي 73 دقيقة، أنشأنا محتوى أسميناه قربنا ليعالج مشكلة تواصل المغتربين مع ذويهم المطحونين من عناء الحياة واعباء الزمن، ولّدنا صورة، ابتكرنا عرضًا، وصنعنا نموذجًا ليحل مشكلة مع وقر يقيننا أنها مشكلة حقيقية مؤقته ولا تحتاج إلى حل مستدام وكما يقول العلماء في أروقة البحث العلمي قتلت بحثا، ورغم ان اقتراحنا لم يولد اختراعا، بل مجرد إعادة تدوير لما هو موجود بالفعل، ولكنها القيمة والمواجدة كما ذكر المبدع المهندس أشرف توكل. اعتلينا المنصة، ارتجلنا أربع دقائق، عرضنا المشكلة والفكرة والمقترح، ثم نزلنا ونحن نشعر أن الفجوة شاسعة بين البحث العلمي العميق الذي يحتاج سنوات للنضج وبين الرضا اللحظي بعرض سريع للأفكار، بين ربح سريع وتشكيل مستقبل مستدام، كما يقول أستاذي الدكتور محمد المحمدي في عباراته الشهيرة: “انها أنشأت لتبقى”.
وبين أروقة الهاكاثون، رأيت جيل زد يتحرك بثقة أبناء عصره: يبتكر بسرعة، يصمّم في دقائق، يبني نموذجًا أوليًا في ساعات. غير أن هذه الحركات السريعة لم تكن تخلو من سؤال مؤلم: أين العمق؟ أين منهج البحث الذي يرسو على جذور المشكلة قبل أن يشيّد واجهتها؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن هذا الجيل، رغم قدراته التقنية المتقدمة، يقع تحت تأثير “ثقافة الإشباع الفوري”، مما يعزز قدرته على الإبداع السريع لكنه يحد من ممارسات التفكير النقدي طويلة الأجل (Berkowitz & Bor, 2023; Prensky, 2023).
وتشير عدة دراسات أخرى إلى أن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي يولّد ظاهرة “الكسل المعرفي” أو ما يُعرف بـ Cognitive Offloading، حيث يُسند الفرد عمليات التفكير المعقدة للآلة، مما يضعف بمرور الوقت قدرته على التحليل وصنع القرار المستدام (Barr et al., 2020; Li & Xu, 2024). وهذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحًا لدى جيل زد بحكم تفاعله الفوري مع التقنية واعتياده على الأدوات الرقمية سريعة المردود (Twenge, 2023).
ولم يكن المشهد الأخير في الهاكاثون مجرد منصة عرض أو نقاش تقني، بل كان ورشة روحٍ ومعرفة. فإلى جوار المهندس المبدع أشرف توكل، كانت الدكتورة كريمان—بعين الباحثة وبصيرة الحكيمة—تحاول أن تُرسّخ في وعي الشباب فكرة بديعة، فكرة تهزّ المسلمات: أن الإنسان يسمع بعينيه… ويرى بأذنيه. كنت أراقبهما وهما ينسجان فكرة تتجاوز حدود التقنية؛ كأنهما يذكران الجيل بأن الإدراك ليس حاسة واحدة، بل شبكة من المشاعر والفهم والحكمة، وأن الابتكار الحقيقي لا يبدأ من لوحة المفاتيح، بل من القدرة على إدراك العالم بغير ما اعتدنا عليه.
خرجت من الهاكاثون بيقينٍ جديد: لا نحتاج إلى إبطاء جيل زد، ولا إلى تسريع البحث العلمي، بل إلى صناعة الجسر بينهما. جسر يفهم أن الشرارة تحتاج إلى جذور، وأن الفكرة تحتاج إلى سلم، وأن النموذج الأولي ليس خط النهاية بل بداية الطريق. وعندما تلتقي سرعة الجيل بعمق المعرفة وبصيرة التجربة الإنسانية، يصبح المستقبل قابلًا للحياة… لا مجرد عرض تقديمي عابر، ويصبح الابتكار استدامة، ويصبح الغد جذرًا يُثمر، ويصبح الذكاء الاصطناعي جناحًا يُكمل الرحلة الإنسانية بدلًا من أن يحل محلها. فالعقل آلة، لكن الروح هي من تصنع الفارق.
المراجع
Barr, N., Pennycook, G., Stolz, J. A., & Fugelsang, J. A. (2020). The brain in the cloud: How AI reshapes cognitive effort. Cognition Research Review, 5(2), 112–130.
Berkowitz, M., & Bor, J. (2023). Instant-generation culture and its impact on youth problem-solving. Journal of Digital Behavior Studies, 14(1), 34–56.
Li, J., & Xu, F. (2024). AI-assisted cognition and the erosion of deep thinking: A generational analysis. Journal of Applied Artificial Intelligence, 8(1), 77–98.
Prensky, M. (2023). Learning in the age of instant creativity. Journal of Digital Education, 12(3), 45–62.
Twenge, J. (2023). Generations: The real differences between Gen Z, Millennials, and Boomers. New York: Atria Books.

