باطنية السويس.. هل يكفي الغلق الإداري لإسقاط إمبراطورية المخدرات؟
✍️✍️
بقلم: أكـرم الكراني
في قلب السويس، وبين الأزقة القديمة والحكايات التي تناقلتها الأجيال، يقف اسم “الباطنية” كعنوان لواحدة من أكثر المناطق إثارة للجدل. ليست مجرد شوارع متشابكة أو بيوت متلاصقة، بل عالم كامل من القصص التي امتزج فيها الفقر بالأمل، والكفاح بالانكسار، وتحولت بعض زواياه إلى مسرح لحكايات المخدرات والجريمة والانحراف.
من حي الكويت والدوران ، إلى كفر النجار وكفر أبو العز وكفر شار وعقدة والغوري، مرورًا بمقاهي شعبية كانت شاهدة على آلاف الحكايات، تشكلت ذاكرة مدينة كاملة تعرف جيدًا كيف بدأت الأزمة، وكيف تمددت حتى أصبحت تهدد أجيالًا بأكملها.
لم تعد القضية مجرد تجارة ممنوعة أو متعاطين يبحثون عن جرعة هروب من الواقع، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية خطيرة. شباب في مقتبل العمر سقطوا في مستنقع الإدمان، وأسر دفعت الثمن من استقرارها ومستقبل أبنائها، بينما ظلت الأسئلة تتردد في الشارع السويسي: من المستفيد؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
المؤلم أن أسعار المواد المخدرة لم تعد مجرد أرقام يتداولها الناس، بل أصبحت مؤشرًا على حجم السوق الخفي الذي ينمو كلما اتسعت دائرة الطلب وضعفت المواجهة الشاملة. فالقضية ليست مادة تباع وتشترى فقط، بل عقول تُستنزف، وأحلام تُدفن، ومستقبل مدينة يُهدد في صمت.
وعندما تصدر قرارات بالغلق الإداري لبعض المقاهي أو الأماكن المشتبه في استغلالها بشكل مخالف، يطرح المواطن البسيط سؤالًا مشروعًا:
هل يكفي الغلق الإداري وحده؟
الإجابة التي يرددها الواقع تقول: لا.
لأن الغلق الإداري قد يعالج العرض، لكنه لا يقتلع المرض من جذوره. فمواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى ما هو أبعد من إغلاق باب أو تشميع محل. تحتاج إلى رقابة مستمرة، وإنفاذ حاسم للقانون، وملاحقة حقيقية لشبكات الاتجار والترويج، إلى جانب خطط تنموية تفتح أبواب العمل والأمل أمام الشباب.
كما تحتاج إلى دور أكبر للأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة ومؤسسات المجتمع المدني، فالمعركة ليست أمنية فقط، بل معركة وعي وثقافة وحماية مجتمع.
إن السويس التي صنعت تاريخًا من الصمود والمقاومة لا تستحق أن تُختطف صورتها بسبب حفنة من الخارجين على القانون. وأبناء السويس الشرفاء الذين بنوا المدينة بعرقهم وتضحياتهم ينتظرون حلولًا جذرية لا إجراءات مؤقتة.
ويبقى السؤال معلقًا في وجدان كل مواطن:
هل يكون الغلق الإداري بداية الطريق نحو التطهير الحقيقي، أم مجرد خطوة محدودة في مواجهة ظاهرة أكبر وأعقد؟
الأيام وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن معركة إنقاذ الشباب وحماية المجتمع لا تحتمل التأجيل، ولا تُحسم بالشعارات، بل بالإرادة والعدالة والتنمية والعمل المستمر.

