حينما تسقط الإنسانية ويغيب الضمير: صرخة من قلب المأساة
بقلم / سهير مجدي
لا أكتب اليوم لأرثي ضحايا الحريق، فالحزن وحده لم يعد يكفي، ولا الدموع ستعيد للطفلة حياتها أو للأب سلامته. أكتب اليوم لأرثي “إنسانيتنا” التي احترقت وسط ألسنة اللهب، ولكن ليس بفعل النار، بل بفعل عدسات الهواتف التي كانت تُصور الموت بكل برود، وغياب رها في.
المشهد الذي لا يُحتمل: حينما يصبح التصوير “عبادة”
تخيل المشهد: حريق يلتهم جدران المنزل، دخان أسود يحجب الرؤية، أب يصارع اللحظات الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وطفلة تصرخ في وجه الفراغ.. وفي الأسفل، يقف عشرات “البشر” يشاهدون المشهد من خلف شاشات صغيرة. لم تتحرك أياديهم لكسر باب، لم يركضوا لإحضار سلم، بل كان كل همهم توثيق اللحظة. لقد تحولنا إلى مجتمع من “المتفرجين” الذين استبدلوا الضمير بـ “الفلتر”، والمسؤولية بـ “المشاركة”.
هل أصبحت حياة المواطن “رفاهية”؟
إذا كان تبلد المشاعر صدمةً للضمير، فإن غياب أداة الإنقاذ هو “الجريمة الحقيقية”. السؤال المُر الذي يمزق الصدور: أين كانت سيارات الإطفاء؟. حينما يغيب هذا الجهاز عن الشارع، فهذا يعني أننا أمام كارثة إدارية. هل تُرك الناس يواجهون النيران بصدورهم العارية لأن الدولة استغنت عن خدمات الإطفاء باعتبارها “رفاهية”؟.
إن توفير الحماية المدنية وسيارات الإطفاء ليس “منحة” اختيارية، بل هو الحق الأصيل للمواطن مقابل ما يقدمه للدولة. غياب هذه الخدمات يعني أن حياة البشر سقطت من قائمة الأولويات.
رسالة إلى من بيده القرار
نحن لا نطالب بوعود، ولا ببيانات صحفية تبرر العجز. نحن نطالب بمحاسبة كل مسؤول عن غياب هذه الخدمات الحيوية. إن الاستثمار في معدات الإنقاذ وتدريب الرجال هو استثمار في حياة البشر، وهي أثمن ما نملك. إن الإهمال المركب -إهمال الشارع الذي يصور، وإهمال الدولة التي لا توفر الإطفاء- هو الذي حوّل الحريق إلى محرقة إنسانية.
رحم الله الضحايا، وهدى الله عقولاً في مواقع القرار لتدرك أن كل ثانية تأخير تساوي حياة تُزهق.

