صناعة الوعي بقلم: دكتورة هند أحمد يوسف
مدرس بكلية الإعلام بنات جامعة الازهر
صناعة الوعي ليست ترفًا فكريًا، ولا قضية هامشية يمكن تأجيلها، وإنما هي واحدة من أهم القضايا التي يتوقف عليها مستقبل المجتمعات؛ إذ لا يمكن بناء مجتمع قوي ومتوازن ما لم يبدأ البناء من الإنسان نفسه: فكرًا ووجدانًا وقيمةً وسلوكًا. والوعي الذي تتشكل من خلاله شخصية الإنسان لا يولد مكتملًا، وإنما يتكون تدريجيًا داخل الأسرة، ويتعزز بالتعليم والثقافة، ويتأثر بما يحيط بالفرد من رسائل وأفكار ونماذج وسلوكيات.
ومن هنا يبرز الدور المحوري للمرأة في صناعة الوعي المجتمعي؛ فهي ليست عنصرًا هامشيًا في منظومة البناء، ولا يقتصر أثرها على أداء وظائف اجتماعية محددة، وإنما تمتد رسالتها إلى أعمق من ذلك؛ إذ تشارك في بناء الإنسان، وتكوين وعي الأبناء، وتشكيل الوجدان، وغرس القيم، وصيانة الهوية، والإسهام في صناعة الثقافة التي تتشكل منها ملامح المجتمع ومستقبله.
ويؤكد التصور الإسلامي للمرأة أنها إنسان كامل الأهلية في التكليف والمسؤولية، وأنها شريك في الإصلاح والبناء، وليست مجرد متلقٍّ لما ينتجه المجتمع من أفكار وثقافات. وقد جعل الإسلام للعلم والمعرفة منزلة رفيعة، وفتح أبواب التعلم والتعليم والإسهام في الخير أمام الرجال والنساء على السواء، بما يجعل حضور المرأة في ميادين الفكر والثقافة والتربية امتدادًا طبيعيًا لدورها في عمارة الحياة وصلاح المجتمع.
الأسرة.. البداية الأولى لصناعة الإنسان
ولعل الأسرة هي المجال الأبرز الذي تتجلى فيه قدرة المرأة على صناعة الوعي؛ فالطفل لا يتلقى في سنواته الأولى معلومات مجردة، وإنما يتشرب منظومة متكاملة من القيم والمواقف وطريقة التفكير ونمط التعامل مع الآخرين. وما يسمعه داخل البيت، وما يراه من سلوك، وما يلمسه من أساليب الحوار والتعامل، يتحول مع الوقت إلى جزء من شخصيته ووعيه.
وهنا لا يقتصر دور المرأة على التعليم المباشر أو تقديم النصيحة، بل يتجاوز ذلك إلى تشكيل الوجدان؛ فهي تغرس قيمة الصدق قبل أن تطلبه، وتعلّم احترام الآخر من خلال ممارسته، وتزرع الرحمة حين تجعلها أسلوبًا في التعامل، وتبني الثقة حين تمنح أبناءها مساحة للحوار والتعبير.
ومن ثم فإن أثر المرأة لا يتوقف عند حدود البيت؛ فما تغرسه في الطفل اليوم قد يصبح غدًا سلوكًا في المدرسة، ثم موقفًا في العمل، ثم قيمةً في المجتمع. وبذلك تنتقل آثار التربية من المجال الخاص إلى المجال العام، ويصبح البيت، في جانب مهم منه، مصنعًا أول للوعي الاجتماعي.
المرأة والوعي في عصر التدفق المعرفي
وتزداد أهمية هذا الدور في عصر أصبحت فيه المعرفة متاحة بلا حدود تقريبًا، وأصبح الأبناء يتلقون أفكارهم ومعلوماتهم من مصادر متعددة لا تخضع جميعها للرقابة أو التقييم. فلم تعد الأسرة وحدها المصدر الذي يصوغ وعي الناشئة، بل أصبحت الشاشات والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي شريكًا مؤثرًا في تشكيل أفكارهم وتصوراتهم.
وفي هذه البيئة الجديدة، لم يعد المطلوب من المرأة أن تمنع أبناءها من الانفتاح على العالم، وإنما أن تمنحهم أدوات الوعي التي تمكنهم من التعامل مع هذا الانفتاح بذكاء واتزان؛ أن تعلمهم كيف يسألون، وكيف يتحققون، وكيف يميزون بين المعلومة والدعاية، وبين المعرفة الرصينة والمحتوى المضلل، وبين الاختلاف الفكري والانحراف، وبين الانفتاح الثقافي الواعي والذوبان في الآخر.
فالهوية لا تُحمى بالعزلة، وإنما تُحمى بالمعرفة والثقة والقدرة على الحوار. والإنسان الذي يعرف جذوره ويعتز بقيمه، ويمتلك وعيًا نقديًا رشيدًا، يكون أكثر قدرة على الانفتاح على الثقافات الأخرى دون أن يفقد ملامحه أو يذوب في غيره.
من التربية إلى إنتاج المعرفة
ولا يقف دور المرأة عند التربية الأسرية، وإنما يمتد إلى ميادين التعليم والبحث العلمي والإعلام والثقافة والعمل المجتمعي. فالمرأة المتعلمة والمثقفة لا تحتفظ بأثر معرفتها لنفسها؛ إذ تنتقل المعرفة التي تمتلكها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أبنائها وأسرتها وطلابها ومحيطها الاجتماعي.
ومن هنا فإن الاستثمار في وعي المرأة وثقافتها لا يمثل منفعة فردية تعود عليها وحدها، وإنما هو استثمار ممتد الأثر في أجيال متعاقبة. فالمعلمة الواعية تسهم في بناء عقول طلابها، والباحثة تسهم في إنتاج المعرفة، والإعلامية الواعية تسهم في تشكيل الخطاب العام، والأم المثقفة تضع داخل أسرتها أساسًا فكريًا وأخلاقيًا قد يمتد أثره إلى المجتمع بأسره.
وهذا ما يجعل حضور المرأة في المجال الثقافي والمعرفي ضرورة من ضرورات النهضة، لا مجرد استجابة لمتطلبات الواقع؛ فالمجتمعات لا تنهض بكثرة المعلومات وحدها، وإنما تنهض حين تتحول المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قيمة، والقيمة إلى سلوك.
الوعي.. حماية للهوية وبناء للتوازن
وفي عالم سريع التحول، تتعرض الهوية لموجات متلاحقة من التأثيرات الثقافية والفكرية، يصبح دور المرأة أكثر حساسية وأهمية؛ لأنها تقف في منطقة التماس بين الثوابت والمتغيرات، وبين ما ينبغي الحفاظ عليه وما ينبغي فهمه واستيعابه.
ولا تعني المحافظة على الهوية رفض العصر أو الانغلاق عن العالم، كما لا يعني الانفتاح التخلي عن الثوابت. وإنما المطلوب هو بناء وعي قادر على الموازنة؛ وعي يحترم الدين والقيم، ويستفيد من منجزات الحضارة، ويقبل الحوار، ويحترم التنوع، ويملك في الوقت نفسه القدرة على التمييز والاختيار.
وهنا يمكن للمرأة أن تؤدي دورًا بالغ الأهمية في بناء ثقافة مجتمعية تقوم على الاعتدال، وتنبذ التعصب، وتفتح أبواب الحوار، وتربي أبناءها على احترام الإنسان، وقبول الاختلاف، وتحمل المسؤولية، وربط الحرية بالوعي، والانفتاح بالهوية، والمعرفة بالأخلاق.
المرأة.. شريك في صناعة المستقبل
إن النظر إلى المرأة باعتبارها متلقية للثقافة فحسب، أو مستفيدة من منجزات المجتمع، يختزل دورها اختزالًا شديدًا؛ فهي في التصور الإسلامي والواقع الإنساني شريك أصيل في إنتاج الوعي، وصناعة الإنسان، وتشكيل الثقافة، وبناء المجتمع.
ومن ثم فإن تمكين المرأة معرفيًا وفكريًا لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قضية تخص المرأة وحدها، وإنما باعتباره مشروعًا مجتمعيًا متكاملًا؛ لأن المرأة الواعية لا تبني نفسها فقط، بل تمتد آثار وعيها إلى أسرتها وأبنائها وطلابها ومجتمعها.
إن المجتمع الذي يريد أن يحصّن أبناءه من الجهل والتطرف والتضليل والانقياد الأعمى للأفكار، لا يستطيع أن يتجاهل دور المرأة في صناعة الوعي. والمجتمع الذي يطمح إلى حماية هويته مع الانفتاح على العالم، لا غنى له عن امرأة تمتلك العلم والثقافة والثقة والقدرة على الحوار.
وفي النهاية، فإن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء المجتمع، وصناعة الوعي هي الطريق الأعمق إلى بناء الإنسان. وإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى، فإن المرأة تقف في مقدمة من يصوغون رسالتها؛ ولذلك فإن المرأة الواعية لا تربي جيلًا فحسب، وإنما تسهم في صياغة ملامح المجتمع الذي ينتمي إليه ذلك الجيل، وتشارك في كتابة مستقبل أمة بأكملها.

