حوار/ أبو الحسن الجمال- كاتب ومؤرخ مصري
شغل بليغ حمدي الناس في حياته وبعد مماته، فمازال يعيش في وجدان الملايين من محبي فنه، فهو كما قالت عنه كوكب الشرق أم كلثوم “ينتمي إلى نوع السهل الممتع”، وكانت بداياته قوية مع كل المطربين الذين لحن لهم، فكانت تكفي أغنية له أن تجعل المطرب يحتل الصفوف الأمامية في عالم الغناء والموسيقى، كانت الموسيقى هي حياته، هي الرئة التي يتنفس بها، مشغول بها طوال الوقت.. كان يعمل معظم ساعات اليوم ولا ينام إلا سويعات قليلة، وأثمرت رحلته عن حصيلة هائلة من الألحان والموسيقى، فلم يترك مطربًا في مصر والعالم العربي إلا ولحن له أجمل أغانيه، ومع هذا النجاح لم يصبه الغرور الذي يصيب البعض، كان يتعلم كل يوم ولم يكف عن التعلم رغم أنه الموسيقار الكبير، درس كل القوالب الموسيقية العربية والعالمية، وألم بالفولكلور المصري والعربي واستلهمه في ألحانه، ونجحت التجربة رغم تعرضه للنقد من زملائه، ولحن الأغنية الوطنية، وجدد فيها وأبهر الناس وأحب فنه كل عاشق للفن.

ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي كثرت الجروبات التي تنتصر لفلان على علان، واستخدم منهج (الأولتراس) -الذي يستخدم في تشجيع الفرق الرياضية- في تشجيع الفن، وتذوق الفن يختلف عن تشجيع الرياضة .. الفن يهذب الروح ويسمو بالعاطفة ويحلق في الآفاق.. ووجدنا من يدير جروب عن بليغ حمدي ليهاجم من خلالها ملحنين بالتحديد أمثال: محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، ومحمد الموجي، ومحمد سلطان، بل وصل به الشطط لتفضيل بليغ على كل الموسيقيين الذين ظهروا بعد سيد درويش، فهو في نظرهم موسيقار الأجيال الحقيقي، والكل عيال عليه.. والوحيد الذي شذ عن هؤلاء الصديق اللواء إبراهيم يوسف سالم، الذي يضع بليغ في إطاره ويقدر دور كل موسيقار ومطرب مع أنه شغل ببليغ حمدي واستطاع في فترة وجيزة أن يوثق كل أعماله، ويقتني كل الكتب والمجلات التي تحدثت عن بليغ حمدي، وصار يمتلك ثروة يساعد من خلالها الباحثين الذين يتناولون أعمال بليغ حمدي، وكان الحوار معه للحديث عن هذه التجربة الثرية عن ملك الموسيقى بليغ حمدي وإلى نص الحوار:
متى بدأت رحلتك في عشق بليغ حمدي؟
– بدأت رحلتي مع بليغ حمدي من عام ١٩٨٨ وأنا طالب في السنة الرابعة بكلية الشرطة عندما نزل شريط كاسيت بعنوان (رسالة من الغربة)، وسمعت أغنية (وحشتيني يا مصر)، وكان تحت منزلي بشبرا مصر صاحب محل كاسيت اسمه عم أحمد فقمت بشراء الشريط لجمال الأغنية، ولما سألت عن المطرب قيل لي أنه الملحن الكبير بليغ حمدي، ثم تخرجت في كلية الشرطة وانهمكت في عملي في جهاز الشرطة حتي وصلت إلى رتبة اللواء وتم إحالتي إلى التقاعد في ٢٠٢١، وكان في تليفوني المحمول أكثر من ألف أغنية من الأغاني التي أعشقها.. ودخلت علي مواقع جوجل واليوتيوب لمعرفة أسماء الملحنين للأغاني، وصعقت عندما عرفت أن أكثر من ربع الأغاني الموجودة علي التليفون من ألحان بليغ حمدي، وقررت البحث والتدقيق في حياته، وجمعت كل أغانيه المعروفة والنادرة والمجهولة حتي وصل ما جمعته لبليغ عدد ١٠٧٥ أغنية بالتمام والكمال، وسعيت لمقابلة الكبار حلمي بكر، وفعلا كان هناك جلسة بيننا استمرت أربعة ساعات، والتقيت أيضا معظم أصدقاء بليغ من امثال جميل المغازي صديقه وهناك تسجيل ساعتين أيضا معه، والتقيت مع أناس قريبين من بليغ حمدي مثل سكرتيره الصديق العزيز محمد عبد الفتاح أو صديقه في فرنسا الاستاذ محسن خطاب والأستاذ أحمد صفاء الذي تربي في منزله وكذلك سعدت بلقاء اللواء المهندس أسامة فهمي ابن أخت بليغ وكذلك الدكتور تامر حمدي ابن شقيقه.
*حدثنا عن جهودك في هذا المجال؟
-تم إنشاء جمعية محبي الموسيقار بليغ حمدي برئاسة الأستاذ تامر حمدي واصبحت أنا المتحدث الرسمي باسمها و حاليا في إطار عمل كتاب شامل جامع لكل ألحانه مع كل المطربين الذين عمل معهم بليغ حمدي وعددهم مائة وخمسين مطرب ومطربة وكل الشعراء وتم إنشاء جروب علي الفيس بوك اسمه ملك الموسيقي بليغ حمدي ينشر كل نوادره التلحينية وكل ما يخصه؟
*الفن لا يعرف التعصب ما رأيك فيمن يدير الجروبات بمنهج الأولتراس؟
-أما السؤال الثالث الخاص بالتعصب ومن يدير الجروبات بسياسة الأولتراس، طبعاً هم فئة لا تفقه شيئاً في الفن؛ لأن الفن خلق للاستمتاع سواء موسيقي أو شعر أو رسم، وبليغ حمدي نفسه كان يجّل ويحترم كل ملحني عصره، ولن تجد له أي لقاء تليفزيوني إلا ويشيد بالجميع، ونحن في (جروبنا) نسير علي نفس نهج بليغ حمدي في احترام كل الملحنين، وشعار “جروب ملك الموسيقي بليغ حمدي” هو أن كل ملحني مصر عباقرة، ولكن الأكثر عبقرية استماعاً واقناعاً واستمتاعاً وإبداعاً هو بليغ حمدي، وذلك لأنه جروب خاص لأن في الفيس نوعين من الجروبات، ولكل نوع قانون.. هناك الجروبات العامة يعني لكل الفنانين مثال “جروب الزمن الجميل” فهذا قانونه ذكر كل المطربين والملحنين، ومن اسمه يتضح ذلك، والنوع الثاني الجروبات الخاصة؛ وهي التي تخص فنان واحد مثال جروبات: بليغ حمدي، وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب.. فالقانون الخاص بهذه الجروبات عدم ذكر الآخرين، ويبقي ذكر ونشر أعمال صاحب الجروب فقط، ولكن فعلاً هناك جروبات رأيتها تعلي من شأن صاحب الجروب، وذلك بسب وشتم باقي المبدعين بمعني مثلاً بليغ حمدي أحسن ملحن في مصر وعبد الوهاب ملحن فاشل ورياض السنباطي رتيب وإبداعاته مع أم كلثوم فقط، وهكذا أرفع من شأن صاحب الجروب فقط، وللعلم فقط السبب الرئيسي الجروبات عمومًا هو نشر أعمال صاحب الجروب وأخباره وحياته، وليست الإساءة للآخرين، فبليغ حمدي عندما ظهر كان الفن مليء بالملحنين الكبار أمثال: رياض السنباطي، وعبد الوهاب، وزكريا أحمد، ومحمد القصبجي، وفريد الأطرش، ومحمد فوزي، ومحمود الشريف، ومحمد الموجي، وكمال الطويل.. أسود وعمالقة وظهر وتألق وأبدع.

