كتبت يوستينا ألفي
هناك رجال لا تختصرهم رتبة عسكرية، ولا تختزل مسيرتهم سنوات الخدمة، لأن ما يميزهم حقًا هو ما يتركونه من أثر في حياة الآخرين. ومن هؤلاء الأستاذ محمد عبد الحميد الصعيدي، المعروف بالحاج محمد الصعيدي، الذي تجمع سيرته، وفقًا لشهادات المقربين منه، بين تجربة عسكرية ارتبطت بحرب أكتوبر المجيدة، ورحلة ممتدة في العمل العام والخيري.

من ذاكرة الحرب إلى مسؤولية العطاء
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية في تاريخ مصر، بل كانت اختبارًا للإرادة والانضباط والتضحية، وبرهانًا على أن تجاوز التحديات يبدأ بالإيمان بالهدف والاستعداد لتحمل المسؤولية.
وبحسب السيرة المتداولة عنه، شارك محمد عبد الحميد الصعيدي في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر ضمن سلاح المشاة، ثم واصل خدمته في سلاح الصاعقة المصرية حتى أنهى مسيرته العسكرية برتبة عقيد. كما تشير الروايات المتداولة إلى حصوله على شهادة تقدير من الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وهي تفاصيل تستحق التوثيق من خلال وثائقه وشهاداته الشخصية.
وتظل قيمة هذه التجربة في الدروس التي تحملها؛ فالوطنية ليست كلمة تقال في المناسبات، وإنما مسؤولية تتجسد في العمل، والتضحية، والالتزام، والاستعداد لبذل الجهد من أجل ما هو أكبر من المصلحة الشخصية.
حين يصبح الخير أسلوب حياة
بعيدًا عن الميدان العسكري، تحضر في الشهادات التي تناولت شخصية الحاج محمد الصعيدي صورة رجل ارتبط بالعمل الخيري وخدمة الناس، وحرص، بحسب من يعرفونه، على المشاركة بوقته وجهده وإمكاناته في أعمال البر.
فالخير الحقيقي لا يقف عند حدود المساعدة العابرة، بل يظهر في الاستمرار، وفي الإحساس باحتياجات الآخرين، وفي الإيمان بأن خدمة المجتمع مسؤولية لا ترتبط بمنصب أو لقب.
ومن هنا تبرز أهمية العمل الأهلي بوصفه أحد أشكال المشاركة المجتمعية التي تعزز التكافل، وتمنح الأفراد شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة أعباء الحياة.
إن تقدير أصحاب العطاء لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الثناء، بل يجب أن يمتد إلى توثيق مبادراتهم ومواقفهم، وإبراز أثرها الفعلي في حياة الناس، حتى تصبح التجارب الناجحة مصدر إلهام للأجيال الجديدة.
وراء كل مسيرة أسرة وشريك رحلة
لا تكتمل الحكايات الإنسانية من دون الالتفات إلى الأشخاص الذين شاركوا أصحابها مشقة الطريق. وفي الروايات المتداولة عن الحاج محمد الصعيدي، تحضر الإشارة إلى دور زوجته ومساندتها له خلال سنوات حياته، بما يعكس أهمية الشراكة الأسرية في مواجهة المسؤوليات وتجاوز التحديات.
فخلف كل مسيرة طويلة تفاصيل لا يعرفها الجمهور، وتضحيات قد لا تظهر في الصور أو عناوين الأخبار، لكنها تظل جزءًا أصيلًا من الحكاية.
أكتوبر ليست ذكرى عابرة
تأتي ذكرى انتصارات أكتوبر كل عام لتذكرنا بأن الإنجازات الكبرى لا تتحقق بالأمنيات، وإنما بالتخطيط والعمل والإصرار. وهي قيم لا تخص المجال العسكري وحده، بل تمتد إلى ميادين العلم والإنتاج والعمل المجتمعي.
ومن هذه الزاوية، تكتسب سيرة الحاج محمد عبد الحميد الصعيدي أهميتها بوصفها مدخلًا للحديث عن رجال ارتبطت حياتهم بالخدمة العسكرية والعمل العام، وعن ضرورة توثيق تجاربهم وشهاداتهم قبل أن تضيع تفاصيلها مع مرور الزمن.
فالأوطان لا تحفظ تاريخها بالاحتفاء بالماضي وحده، وإنما أيضًا بالاستماع إلى شهوده، وتوثيق تجاربهم، ونقل الدروس التي تحملها رحلاتهم إلى الأجيال القادمة.
وفي النهاية، تبقى قيمة الإنسان فيما يتركه خلفه من أثر، وفيما يستطيع الآخرون أن يتعلموه من تجربته. فهناك بطولات تحفظها صفحات التاريخ، وهناك أعمال خير تحفظها ذاكرة الناس، وبين الاثنين تتشكل سيرة تستحق أن تُروى، وعطاء يستحق أن يُقدَّر.

