الصين تحاول مواكبة كافة التحديات المختلفة التى تواجه البيئة الأيكولوجية الحضرية فى ظل ظروف تغير المناخ.
** الصين إبتكرت نموذج المدن الموفرة للموارد الصديقة للبيئة، والآمنة مناخياً، بإعتبارها النموذج المستهدف للتحول الأخضر للمدن
حوار/ حسام السندنهورى
أجرت الجريدة حوارًا مع خبيرة الشؤون الصينية و الأسيوية الدكتورة / نادية حلمى – أستاذ مساعد العلوم السياسية بجامعة بنى سويف، حول مفهوم الإيكولوجيا ecology وتبنى دولة الصين لهذا المفهوم لخلق بيئة أفضل فيها، خصوصًا و أن الصين حققت خطوات شاسعة فى هذا المجال.
و بداية فإن مفهوم الإيكولوجيا يتلخص فى أنه العلم الذى يهتم بدراسة العلاقات بين الكائنات الحية – بما فيها البشر – و بين بيئتهم المادية.
كما يوفر علم الإيكولوجيا أيضًا المعلومات الكاملة حول النظم البيئية، وكيف يمكن للبشر إستغلال موارد الأرض بطرق تجعل البيئة صالحة بالنسبة للعيش للأجيال القادمة.
و فى البداية سألنا د.نادية حلمى حول أسباب إهتمام الصين بالإيكولوجيا فأجابت:-
نجد أن السبب الرئيسى لإهتمام الصين بالأيكولوجيا، هو محاولتها مواكبة كافة التحديات المختلفة التى تواجه البيئة الأيكولوجية الحضرية فى ظل ظروف تغير المناخ، لذلك عملت الحكومة الصينية على طرح (مفهوم الحرير الأخضر كجزء من مبادرة الحزام والطريق العالمية للصين). حيث أصبحت حكومة وقيادات الحزب الشيوعى الصينى أكثر وعياً بوضع نموذج مختلف للتنمية الحضرية المستقبلية مختلفاً عن النموذج الحالى، كما أصبح التحول الأخضر للمدن بمثابة أمر حتمى فى الدولة الصينية، وهو التحول الذى قطعت فيه الصين شوطاً جيداً.
وهنا نجد بأن (التعامل الصينى مع التحول الأخضر للمدن في ظل ظروف تغير المناخ، قد فرض على الدولة الصينية وضع سياسات ملزمة وقوانين تتيح التعامل بشكل منسق مع جوانب السكان، الموارد، البيئة، والتنمية)، وغيرها. كما يفرض كذلك تحويل بناء المدن إلى بناء فضاءات إنتاجية موفرة وعالية الكفاءة، فضاءات معيشية مناسبة للسكن، وفضاءات بيئية تتمتع بالمناظر الطبيعية، ثم تحويلها بعد ذلك إلى منازل سعيدة بحدائق طبيعية تضع فى الإعتبار الجانب النفسى لراحة المواطن الصينى ورفاهيته.
وإبتكرت الصين (نموذج المدن الموفرة للموارد الصديقة للبيئة، والآمنة مناخياً)، بإعتبارها النموذج المستهدف للتحول الأخضر للمدن، وهو النموذج المستهدف كذلك لتعزيز بناء الحضارة الأيكولوجية.
وأصبحت القضايا البيئية تستحوذ على الإهتمام على كافة المستويات الصينية، وقيادات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، وأبرزها: قضايا تغير المناخ وإعتبارها واحدة من أبرز القضايا الملحة، وباتت الصين تتشارك مع العالم كله هذا الملف، وتحرص على التواجد بإستمرار، بدايةً فى المنظمات الدولية والحكومية، وحتى رجل الشارع الصينى العادى أضحى لديه الوعى الكافى بخطورة المسألة، وذلك بعد أن ظهرت الآثار المدمرة لها، والتى يمكن أن تطول الأحوال المعيشية والحياة اليومية لمواطنى الصين، بعد أن كان ينظر إلى مناقشة تلك القضايا بإعتبارها رفاهية فكرية من قبل.
فقادة الحزب الشيوعى الصينى فى الوقت الراهن، باتوا يفهمون خطورة التغيرات المناخية الحالية، وخطورة تلك التغيرات التى حدثت على مستوى العالم، والتى تمثل طابعها الرئيسى فى إرتفاع درجة حرارة الأرض. فقد إرتفع متوسط درجة حرارة السطح على مستوى العالم بمقدار درجة مئوية، كما بلغ معدل زيادة درجة الحرارة على مدار الخمسين عاماً الماضية قرابة ضعفى ما كان عليه المعدل الحالى.
ثم سألناها عن أهم الإجراءات التى إتخذتها الدولة الصينية فى هذا المجال؟
فقالت :- نظراً لإدراك قيادات الدولة الصينية وحزبها الشيوعى الحاكم بخطورة تلك الآثار السلبية لتغير المناخ، وذلك لما تتسم به من (هشاشة النظام البيئى، طول السواحل، إنخفاض نصيب الفرد فى المجتمع من الموارد). ثم من ناحية أخرى ومع عدد السكان الكبير، والمستوى المنخفض من التنمية الإقتصادية، وهيمنة الفحم على منظومة الطاقة، توجب على الصين أن تتجه لتطوير الإقتصاد، وحماية الحياة الأساسية لشعبها، وهو الأمر الذى قد أدى فى السابق إلى زيادة إنبعاثاث الغازات الدفيئة.
وسنجد هنا، بأن “تقارير التقييم الوطنى الصينى بشأن تغير المناخ” تنص صراحةً على أن الآثار السلبية لتغير المناخ على الصين تتجلى بشكل رئيسى فى عدة مجالات وقطاعات رئيسية، أدت لإرتفاع المعدل السنوى لمعدلات الحرارة فى الصين بين نص ودرجة مئوية واحدة. وهو المعدل الأعلى نسبياً بالمقارنة بمتوسط الإحتباس الحرارى فى العالم.
والأخطر هو إنخفاض نسبة ومعدل هطول الأمطار فى الصين بشكل كبير، فقد (أدى تغير المناخ إلى حدوث حالات جفاف متكررة فى أجزاء من البلاد).
فلقد أصبح (تغير المناخ هو المتهم الأول فى كارثة الفيضانات المتكررة فى جنوب الصين)، أما فى المناطق الشمالية للصين فقد تفاقم التناقض بين العرض والطلب على الموارد المائية، وتكرر حدوث الكوارث البيولوجية، وإزدادت حدة الكوارث فى المناطق الساحلية للدولة الصينية، كما تزايد عدم الإستقرار فى الإنتاج الزراعى، وتدهورت النظم البيئية ومنها الغابات والمراعى، وهو الأمر الذى (أثر بشكل مباشر على العديد من المشروعات الكبرى فى تلك المناطق والأقاليم الصينية)، فلم تكتمل فى الوقت المحدد لها، ولم تكن عمليات التشغيل فيها على مستوى الأمان المطلوب.
وأدركت الحكومة الصينية مؤخراً (مدى خطورة إرتفاع مستوى سطح البحر الساحلى فى الصين بمتوسطات سنوية كبيرة)، وذلك مقارنةً بالمعدلات السابقة، والأخطر أنها أعلى من المتوسط العالمى.
والجديد الذى لاحظته بحكم تخصصى الأكاديمى فى الشأن الصينى، هو (تقليص مساحة الأنهار الجليدية الجبلية فى الصين، بما فى ذلك الأنهار الموجودة في جبال الهيمالايا بشكل سريع). فخلال الفترة الماضية قد (إنخفض مستوى الجليد فى بحر “بوا خاى”، وفى المناطق الشمالية من البحر الأصفر، كما إنخفضت مساحة الأنهار الجليدية الشمالية بنسبة ٢١٪)، وإنخفض سمك التربة المتجمدة فى مقاطعة التبت بمعدل يتراوح بين أربعة وخمسة أمتار، أما فى منطقة (البحيرات الداخلية فى هضبة التبت الصينية، فقد إرتفع مستوى سطح المياه فيها، وتراجعت إنتاجية العشب فى عدة مناطق لرعى الأغنام، وذلك فى مناطق عديدة، مثل: “تشينغ خاى، وقان نان”).
ومع تفهم الصين لخطورة الوضع بالنسبة للتغيرات المناخية الحالية، فكانت الصين هى (أول دولة نامية تشارك فى فعاليات الأمم المتحدة الرامية للإستجابة لتغير المناخ)، فقد شاركت الصين ضمن ٢٢ دولة فى العالم فى تشكيل (أول لجنة عالمية للبيئة والتنمية).
كما شاركت الصين فى (المؤتمرات العالمية للبيئة والتنمية)، وأبرزها مؤتمر “قمة الأرض”. كما تعد الصين واحدة من أوائل الأطراف الموقعة على “بروتوكول كيوتو”، بغرض الحفاظ على البيئة عالمياً.
كما كانت الصين (أول من نشر جدول أعمال القرن ٢١ على مستوى دول وبلدان الأمم المتحدة، من أجل بيئة أفضل)، وتم النظر إلى حماية البيئة فى الصين (بما فى ذلك مكافحة تلوث الهواء، والتنمية المستدامة فى مجال الطاقة)، وغيرها من الجوانب، بإعتبارها الجزء الأهم والأكثر حيوية فى الدولة الصينية.
والنجاح الأكبر للحكومة الصينية وفقاً لوجهة نظرى، هى إقرار قضايا البيئة والإصلاح الأيكولوجى، كواحدة من السياسات الأساسية للشعب الصينى، كما تم النظر إلى الحفاظ على الموارد وحماية البيئة بإعتبارها سياسة وطنية أساسية يجب الإلتزام بها.
فقد (وضع المؤتمر الوطنى التاسع عشر للحزب الشيوعى الصينى، بقيادة الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ”، وقيادات اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى، هدف بناء المجتمع الرغيد، والذى يجمع بوضوح بين حماية البيئة وبين التنمية الإقتصادية، كواحدة من الأهداف الرئيسية لحكومة الصين)، وذلك فى إطار العلاقة بين الإنسان الصينى والبيئة التى يعيش فيها.
وناقشت معظم الجلسات العامة للدورات التى يعقدها بإستمرار قادة اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى (قضايا الإصلاح البيئى والأيكولوجى، وتم تقديم مفهوم التنمية العلمية المتمحورة حول الشعب الصينى)، وهى القضايا الملحة التى باتت تتسم بالشمول والتنسيق والإستدامة عند مناقشة قضايا الدولة الصينية، بالإضافة إلى (إستراتيجية التخطيط الشامل ذات الجوانب البيئية) فى الصين، وهى التى تتضمن إقتراحات لتحسين العلاقة الرابطة بين الإنسان وبيئته الأيكولوجية.
ويحرص الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ” خلال وجوده فى إجتماعات التعلم الجماعى بالمكتب السياسى للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى، على إعتبار أن حياة المواطن الصينى هى الأغلى. بالتأكيد على إشتراكية الدولة الصينية، فبالتالى (لن تسمح الدولة الصينية بأن تكون تنميتها وتطورها على حساب الحضارة الروحية، أو على حساب البيئة، ولا على حساب الحياة البشرية الرغيدة).
كما جاءت مشاركات الصين فى كافة الإجتماعات الخاصة بالبيئة فى منظمة التعاون الإقتصادى لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) للتأكيد على أن “تغير المناخ بات قضية عالمية تتعلق بمصالح جميع الأطراف، وتتطلب جهوداً مشتركة من جميع البلدان”. مع تأكيد الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ” بأنه من خلال (التعاون من أجل مستقبل ومصير مشترك للبشرية، فيمكننا جميعاً تحقيق الربح المشترك).
وجاء حرص القيادة الصينية فى التشديد على دور الدول المتقدمة، والتى يجب أن (تتحمل مسؤولياتها التاريخية، وأن تنظر بعين الإعتبار إلى الواقع الحالى للبيئة الأيكولوجية، والذى يتمثل فى إرتفاع نصيب الفرد فيها من الإنبعاثات، لذا عليها أن تنفذ وتراقب بدقة أهداف خفض الإنبعاثات التي حددها بروتوكول كيوتو للأمم المتحدة، وأن تواصل أخذ زمام المبادرة فى الحد من الإنبعاثات بعد عام ٢٠١٢). كما أكدت الصين، بأنه على البلدان النامية إتخاذ كافة التدابير المناسبة وفقاً لأوضاعها، ولا سيما التركيز على إستخدام وإستيعاب التقنيات النظيفة، وتقديم أفضل المساهمات فى الإستجابة لتغير المناخ.
وقد تمت الإشارة فى تقرير المؤتمر الوطنى التاسع عشر للحزب الشيوعى الصينى فى أكتوبر ٢٠١٩، إلى “تعزيز بناء القدرة على الإستجابة لتغير المناخ وتقديم مساهمات جديدة لحماية المناخ العالمى”.
وفي عام ٢٠٢٠، أوضحت (الخطة الوطنية الصينية بشأن تغير المناخ)، والتى أعدتها اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح موقف الصين ومبادئها فى التعامل مع تغير المناخ العالمى بالتأكيد على تحمل الجميع لمسئولياته تجاه البيئة الأيكولوجية.
وحرصت القيادات فى بكين على مناقشة مفهوم وماهية تغير المناخ من عدة جوانب، ومنها: (الجانب المعرفى العلمى، الجانب البيئى، جانب الطاقة، الجانب السياسى، والجانب الإنمائى، بالإضافة إلى الآليات السوقية التى تتعلق بالإستجابة لتغير المناخ، ثم قياس نتيجة مدى إستجابة الخطط والقوانين الصينية للسيطرة على تغير المناخ داخلياً وعالمياً). كما حرصت قيادات الحزب الشيوعى الصينى على الإهتمام بمفهوم “التنمية المستدامة للبيئة الإيكولوجية الحضرية”، خاصةً كافة السياسات الجديدة للحزام والطريق، والتى تحرص على الإستفادة من مفهوم المدن والتمدن الحضرى والإقتصاد الأخضر الصديق للبيئة، والتخطيط من أجل التنمية الحضرية المستدامة، وبناء الحضارة البيئية الحضرية، وتصميم المدن والبيئة الأيكولوجية.
ثم بدأت الحكومة الصينية فى الإنتقال مؤخراً إلى تصميم وتناول نماذج من “مدن النوع الثالث” فى الصين، بإعتبارها نماذج مستهدفة للإصلاح والتحول الأخضر فى كافة المدن والمقاطعات والأقاليم الصينية.
كما بدأت تدور النقاشات ودراسة السياسات مؤخراً بشكل إجمالى ومفصل لحماية ومعالجة البيئة الجوية الحضرية للصين، مع دراسة كافة إتجاهات وخصائص تلوث الهواء فى كافة المدن الصينية، وتحليل مدى تأثير تلوث الهواء البيئى وأضراره على المدن الصينية، وفهم دراسة منع تلوث الهواء ومعالجته فى المدن الصينية، مع وضع سياسات مستمرة لضمان معالجة وحماية البيئة الهوائية فى المدن الصينية، وحماية البيئة الجوية فى كافة المدن الرئيسية للصين، ثم دراسة وفهم وتحليل وإستعراض (كافة التجارب الدولية فى مجال معالجة البيئة الجوية الحضرية).
وبدأ الإهتمام ينصب مؤخراً على وضع نظم مؤشرات تقييم مدن “النوع الثالث” وبناءها، ووضع سياسات بشكل مفصل لتقييم البيئة الأيكولوجية لكل المدن فى الصين، وذلك بناءً على الحفاظ على الموارد البيئية المتاحة، مترافقاً مع (تقييم البيئة الأيكولوجية الحضرية من حيث الإستجابة لتغير المناخ، مع مراقبة المدن)، وإنشاء النماذج وإختيار المؤشرات وتحديد الأوزان فى عملية تقييم مدن “النوع الثالث”، ثم يختم بتبيان مؤشرات بناء مدن “النوع الثالث” في الصين.
و عن ما الذى يميز الصين عن باقى الدول فى نجاحها فى تنفيذ سياساتها فى مجال الأيكولوجيا؟
أجابت:-
حققت الصين إنجازات كبيرة فى مجال معالجة وحماية البيئة وتنفيذ السياسة الأيكولوجية. وتلك النتائج تحققت نتيجة لسلسلة من الأفكار والإستراتيجيات الجديدة التى طرحتها (اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى والحكومة المركزية فى بكين)، والتى جعلت الحضارة الإيكولوجية محتوى مهماً لدفع ما يعرف ب “الترتيبات الشاملة للتكامل الخماسى”، وهى: (البناء الإقتصادى والسياسى والثقافى والإجتماعى والأيكولوجى)، ونفذت سلسلة من المهام الأساسية والرائدة وطويلة الأجل.
وخلال هذا التحول العميق للتنمية الخضراء، أخذ الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ” على عاتقه تخطيط بناء الحضارة الإيكولوجية ودفعها، وجعله على قائمة جدول أعماله خلال جولاته التفقدية. مؤكداً فى خطاباته السياسية بأن “البيئة الطبيعية الجيدة هى أعدل منفعة عامة وأكثر رفاهية يمكن الوصول إليها للناس، لأن التنمية الإقتصادية يجب ألا تأتى على حساب البيئة الطبيعية”.
وبتوجيه من فكر الرئيس “شى” بشأن الحضارة الأيكولوجية، عززت الصين بإستمرار (التخطيط الإستراتيجى للحضارة الأيكولوجية).
والجديد فى هذا الإطار، هو أن (دستور الحزب الشيوعي الصينى)، قد أضاف مفهوم “البيئة الطبيعية الجيدة تعد كنزاً حقيقياً”. وتم إدراج مفهوم الحضارة الأيكولوجية فى دستور الدولة الصينية.
فلقد حرصت الصين على وضع سياسات مستمرة وصارمة لضمان السيطرة على التلوث لبناء (مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل). وهذا هو السبب في أن البلاد نفذت إصلاحات مؤسسية وعززت التشريعات الخاصة بالبيئة الطبيعية وطرحت عدداً كبيراً من الإجراءات الرئيسية كى يتم تنفيذها بطريقة صارمة وشاملة.
و عن مدى نجاح الصين فى هذا المجال هل يساعدها ويساعد العالم فى تحسن المناخ والبيئة لديها وفى العالم عموماً؟
لقد أصبحت الصين مشاركاً ومساهماً ورائداً مهماً فى (بناء الحضارة الإيكولوجية العالمية)، ونفذت بجدية الإتفاقيات متعددة الأطراف المتعلقة بالبيئة الطبيعية، وشاركت بنشاط فى مفاوضات تغير المناخ العالمية، وقدمت مساهمات مهمة فى (بناء مجتمع الحياة على الأرض).
وفي السنوات الأخيرة، عززت الصين (بناء الحضارة الإيكولوجية بتصميم وعزيمة كبيرة لا مثيل لها). فقد زادت موارد الغابات فى الصين بمعدلات كبيرة، لتحتل المرتبة الأولى فى العالم، وساهمت الصين فى السيطرة طويلة الأجل والواسعة النطاق على التصحر فى حماية أكثر من ٩٠٪ من أنواع النظم البيئية الأرضية، والحفاظ على العديد من أنواع الحيوانات البرية الرئيسية من الإنقراض بشكل فعال. كما شهدت السلسلة الطويلة من “سجلات التنمية الخضراء العالمية” تقدم الصين على طريق الحضارة الإيكولوجية.
والشئ اللافت هنا، هو أن الخطاب الذى ألقاه الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ” خلال أعمال (المناقشة العامة للدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة)،أكد فيه بأن “الصين ناشطة وحازمة فى تحقيق أهدافها التى تم تحديدها من أجل بناء حضارة أيكولوجية”.
ونجد تكرار جملة مهمة فى الخطابات السياسية للرئيس الصينى “شى جين بينغ”، وهى: “ستسعى الصين جاهدة لتحقيق ذروة الكربون بحلول عام ٢٠٣٠ وحياد الكربون بحلول عام ٢٠٦٠، وهذا يتطلب عملاً شاقاً، لكن الدولة الصينية ستبذل قصارى جهدها”.
و حول سؤال عن كيف تطبق الصين سياساتها فى هذا المجال؟
حرصت القيادات الصينية على تشجيع الشعب الصينى بشكل متزايد إلى إتباع (أسلوب حياة صديق للبيئة). فتقوم الصين يومياً بأكثر من ٢٠٠ مليون رحلة بالنقل العام، مثل: الحافلات ومترو الأنفاق. وإحتل إنتاج السيارات الكهربائية ومبيعاتها المرتبة الأولى فى العالم لعدة سنوات متتالية.
والمثال المعروف فى الصين، هو مخاطر التآكل الشديد فى التربة الذى عانت منه (منطقة تشيانيانتشو الجبلية فى مقاطعة جيانغشى فى جنوب الصين)، وذلك خلال فترة الثمانينيات، بسبب إزالة الغابات والممارسات الزراعية غير المستدامة، حيث كانت التربة الخصبة يجرى تجريفها مما تسبب فى عدم نمو المحاصيل وإتلافها.
ولكن حدث تغير ملحوظ فى السنوات الأخيرة، وذلك بفضل (خطة إستخدام الأراضى المدعومة من الحكومة الصينية، والتى شهدت إعادة زراعة مساحات جديدة بتكنولوجيا متقدمة ومبتكرة)، والإهتمام بزراعة مساحات شاسعة من الأراضى والتلال العليا، وبساتين المحاصيل المختلفة، خاصةً الحمضيات، والتى تمت زراعتها على العديد من المنحدرات، والتوسع فى زراعة حقول الأرز فى أماكن وأودية عديدة لتحقيق الإكتفاء الغذائى.
لذلك، كانت النتيجة هى نجاح تلك السياسات الصينية فى غضون سنوات قليلة، لإتاحة الإستخدام المستدام للأراضى الزراعية، مما أسفر عن (إيرادات أعلى وجودة أوفر فى المحصول الزراعى والإنتاجية الزراعية. كما تم تحسين كل من التنوع البيولوجى والجودة البيئية، وكذلك المناخ المحلى).
وأنشأت الحكومة الصينية (محطة الأبحاث البيئية) لتحديد أفضل السبل لإستعادة الأراضى الزراعية المتآكلة. وتمت دعوة خبراء من جميع أنحاء العالم، بما فى ذلك من الوكالة الفيدرالية لحفظ الطبيعة فى ألمانيا بهدف الإستفادة والتعلم من خبراتهم.
ركزت كافة البحوث الصينية على (تحسين هيكل الغابات وكيفية تحسين خدمات النظام الأيكولوجى للغابات، وتنمية وتحسين وظائف بيئة الغابات، وتحسين عمل النظم الأيكولوجية للغابات فى ظل تغير المناخ). وتم العمل من أجل تحسين الفوائد البيئية والإقتصادية للأراضى الزراعية وحفر آبار المياه.
وفى بداية عام ٢٠١٩، دعت الصين ممثلين وخبراء دوليين فى البيئة، ومسئولين فى (برنامج قسم المياه العذبة والأراضى والمناخ التابع للأمم المتحدة للبيئة)، لزيارة العديد من المواقع فى مناطق وأقاليم صينية مختلفة، لتعليمهم وإطلاعهم على فهم كيفية عمل (الإستعادة الأيكولوجية) على نطاق واسع.
و عن العوامل التى ساعدت الصين فى التقدم الصين فى هذا المجال؟
قالت د.نادية حلمى:-
أشارت الحكومة الصينية إلى أن مكافحة التلوث وحماية البيئة بإعتبارهما أحد المعارك الثلاث “الشرسة” التى تواجهها الصين، مما يوضح مدى الإلتزام السياسى الكبير بهذه الخطة. وتضمنت (الخطة الخمسية الثالثة عشرة)، وهى الوثيقة التخطيطية الأساسية للحكومة الصينية، أهدافاً ملزمة فيما يتصل بعدد من الخطوط البيئية الرئيسية، بدءاً من إستهلاك الطاقة إلى إنبعاثاث الكربون، ومن جودة الهواء إلى الغطاء النباتى ومكافحة التصحر فى الغابات، إلى جانب عدد من الخطط البيئية الأخرى.
وإزداد حجم الإستثمارات الصينية فى مجال البناء الأيكولوجى والحفاظ على البيئة والتقنيات الخضراء: فوفقا للبنك الدولى، تنفق الصين ما يعادل حوالى ١.٢% من إجمالى الناتج المحلى على الحماية البيئية سنوياً، وهو رقم يتفق مع مستويات الإنفاق فى بلدان أوروبا الغربية. كما تعد الصين حالياً من (أكبر بلدان العالم إنتاجاً للطاقة من المصادر المتجددة).
لذلك تكشف عدة مؤشرات بيئية عن تحسينات مهمة فى الصين. فوفقاً للإحصاءات الحكومية الرسمية، جاءت الوثائق الرسمية الصينية لتغير بأن مدن ومقاطعات الصين قد (نفذت المعايير الجديدة لجودة الهواء)، مما أدى لتراجع فى متوسط تركز التلوث بنسبة كبيرة.
وتمكنت الصين بالفعل فى عام ٢٠١٧ من بلوغ هدف عام ٢٠٢٠، والخاص (بشأن الحد من كثافة الكربون بنسبة تتراوح بين ٤٠ – ٤٥%). كما إزدادت مساحة الغطاء النباتى بمقدار كبير فى السنوات الأخيرة، نتيجة لتلك الجهود الكبيرة التى تبذلها حكومة الصين فى هذا المجال.
و حول خطورة عدم الإهتمام بالأيكولوجيا؟
أوضحت أن:-
أعتبرت الصين بأن الحضارة والبيئة متماشيتان معاً لا يفترقان. فكان الخوف الرسمى للصين من (فقد الأراضى العشبية، نتيجة لشيوع حالة من الثقافة البدوية التى كانت تعد جزءاً من ثقافة الفلاح أو المزارع الصينى)، مما هدد بإختفاء رقعة الأراضى العشبية فى المناطق الريفية. لذلك، ولت القيادات العليا فى الصين كل الإهتمام لحماية بيئة الأراضى العشبية.
ولفهم ذلك، فقد كانت الصين حتى سنوات قليلة سابقة تشهد كل عام العديد من العواصف الرملية والترابية بالتزامن مع إنطلاق إجتماعات الدورتين، أى الإجتماعات السنوية فى شهر مارس من كل عام لكلاً من “المؤتمر الوطنى الشعبى لنواب الشعب الصينى والمؤتمر الإستشارى السياسى للشعب الصينى”. ولكن الوقت الحاضر، فهناك الآن عدد قليل جداً من تلك العواصف الرملية والترابية بفضل (المشاريع التى ترعاها الحكومة الصينية لتحسين بيئة الأراضى العشبية).
وأدركت الحكومة الصينية أيضاً بأن (تحسين البيئة يجب ألا تكون مهمة مؤقتة بل مهمة طويلة المدى). وعلى الرغم من أن الحكومة الصينية قد إستثمرت الكثير من الأموال لتنفيذ مشاريع حماية الأراضى العشبية، ولكنها تدرك أنه بمجرد توقف الإستثمار ستعود المشاكل البيئية مرة أخرى. لذلك، من أجل حل المشكلة بشكل أساسى، تدرك الحكومة الصينية بأنه ينبغى أن تحول الدولة نظام إدارة الأراضى العشبية فى الصين من (تنفيذ مشروعات لفترات زمنية محددة إلى إنشاء آلية طويلة الأمد).
كما جاء فى الإقتراحات الرسمية بأن إختفاء الحضارة غالباً ما يبدأ بتصحر النباتات العشبية فى المناطق والأقاليم الصينية. لذلك، فيمكن حل تلك المشاكل بشكل أساسى، من خلال (إنشاء آلية طويلة الأجل لحماية الأراضى العشبية).
لذلك، فكان أول ما بدأت الحكومة الصينية القيام به هو (إدراج البناء البيئى فى الأراضى العشبية كخطة بناء بيئية واسعة النطاق على المستوى الوطنى).
وهنا، فتم (إنشاء آلية مالية وضريبية للتعويضات البيئية فى الأراضى العشبية)، مثل: إصدار الحكومة الصينية لسياسات وسلسلة قوانين محلية، بحيث (تفرض بموجبها حكومات المقاطعات رسوم تعويض بيئى على الشركات التى تطور الموارد فى مناطق الأراضى العشبية).
كما أعطت الحكومة الصينية أيضاً الأولوية من أجل تطوير التعليم فى المناطق الريفية والفقيرة لتطوير مستوى الوعى البيئى والأيكولوجى. فقد بدأت الصين الجولة الأولى من (مشاريع تعويضات الأراضى العشبية منذ عام ٢٠١١). وبلغ حجم التعويضات فى الجولة الأولى أكثر من ١٥ مليار يوان صينى، بينما وصلت مبالغ تعويضات الجولة الثانية إلى ٢٠ مليار يوان صينى. ولكن كإستراتيجية وطنية رئيسية، يجب ألا تحسب بعشرات المليارات، بل بمئات المليارات. وبدأت بالفعل الجولة الثالثة للتعويضات، وتم رفع تلك السياسة إلى (مستوى الإستراتيجية الوطنية من خلال إنشاء آلية طويلة الأجل).
ومن هنا نفهم، مدى الإصرار الحكومى الصينى لبذل أقصى الجهود فى بناء الحضارة الأيكولوجية لصالح الأجيال المستقبلية.
و عن دور وأهمية القوانين والتشريعات فى تحقيق التقدم فى مجال الأيكولوجيا؟
قالت:-
حرصت الحكومة الصينية على وضع بناء الحضارة الأيكولوجية على قدم المساواة مع البناء الإقتصادى والسياسى والثقافى والإجتماعى من أجل (صياغة الخطة المتكاملة للنهوض بالدولة الصينية)، فقد أصبح ذلك من أبرز الإبتكارات التى تحققت داخلياً منذ المؤتمر الوطنى ال ١٩ للحزب الشيوعى الصينى فى أكتوبر عام ٢٠١٩.
وهنا، يمثل بناء الحضارة الأيكولوجية أولوية قصوى بالنسبة إلى الحكومة الصينية، وهو أيضاً موضوع ساخن خلال إجتماعات الدورتين “المؤتمر الوطنى الشعبى لنواب الشعب الصينى والمؤتمر الإستشارى السياسى للشعب الصينى”. حيث طرح المندوبين الدائمين فى المؤتمر الوطنى لنواب الشعب الصينى، العديد من المقترحات بشأن تعزيز بناء الحضارة الإيكولوجية بهدف تحسين جودة حياة الشعب والإرتقاء بها عالياً.
أدرجت الصين (سياسة الحضارة الأيكولوجية ضمن سياستها التنموية الوطنية وكذلك ضمن دستورها الرسمى فى البلاد)، وهذا يعد من وجهة نظرى مثال جيد، ويمكن أن يكون بمثابة نموذج لتوجيه الإتجاه الإستراتيجى العالمى، مع السعى إلى عمل “توازن أيكولوجى”.
والأبرز هو تلك الخطوات الكبيرة التى قطعتها حكومة الصين فى (التخفيف من حدة الفقر، والسيطرة على التلوث، ومواجهة التصحر وإنحسار رقعة ومساحة الغابات) ، من خلال وضع تشريعات قوية، وتعزيز الوعى العام.
وكان أكثر شئ أستوقفنى تحليلياً وأكاديمياً هو مدى الإستفادة من تلك الخبرة الصينية وتعميمها فى إطار (التعاون الصينى بين دول الجنوب)، فقد لعبت الصين دوراً أساسياً فى دعم الإستدامة البيئية فى عدة دول أفريقية فى مجالات متنوعة، مثل: (إدارة المياه، الإستجابة للمناخ، حماية الحياة البرية، الحفاظ على البيئات الإيكولوجية)، وغيرها
و فى نهاية الحوار سألنا د. نادية حلمى عن ما هى أهمية نشر ثقافة الإهتمام بالأيكولوجيا فى الحفاظ على البيئة والتغير المناخى؟
لقد بذلت القيادة الصينية جهوداً شاقة ومضنية لتغيير إتجاهات مواطنيها للحفاظ على البيئة الأيكولوجية، من خلال التنفيذ الشامل لمفهوم التنمية الخضراء المتمثل فى “البيئة الطبيعية الجيدة تعد كنزاً حقيقياً لبناء دولة صينية قوية”، وتقييد النمو الإقتصادى المتسارع على حساب التدهور البيئى.
نفذت الصين إلتزاماتها بالتنمية الخضراء بإجراءات ملموسة وقدمت حوافز مهمة وتنويراً لمواطنيها وللعالم بأسره، وذلك من خلال السيطرة الصارمة على (نمو إستهلاك الفحم والقبول الرسمى لبروتوكول مونتريال بكندا للحفاظ على البيئة الأيكولوجية، كما وافقت الصين على خطى تعديل كيغالى، بالعمل فى الصين على تعزيز السيطرة على غازات الإحتباس الحرارى غير ثانى أكسيد الكربون، كما بدأت فى التداول عبر الإنترنت لما يعرف ب “سوق الكربون الوطنى”). ونجد تلك الإشادات الدولية بأن “تجربة الصين فى تنسيق التنمية الإقتصادية السريعة وحماية البيئة مهمة للغاية مثال يحتذى به فى العالم كله”.
كما نشرت الصين (ثقافة الحفاظ على البيئة الأيكولوجية الحضرية داخلياً وخارجياً)، فلقد حرصت القيادات الصينية على تشجيع إقامة التعاونات والتبادلات الدولية بشأن البيئة الإيكولوجية مع أكثر من ١٠٠ دولة حول العالم، ووقعت حوالى ١٥٠ وثيقة تعاون لحماية البيئة مع أكثر من ٦٠ دولة ومنظمة دولية وإقليمية.
ونجد هنا المساهمة الفعالة لحكومة بكين على (إنشاء صندوق التعاون بين بلدان الجنوب المعنى بتغير المناخ)، فضلاً عن (إطلاق الصين لمركز التعاون البيئى الصينى الأفريقى)، إلى التركيز على التعاون فى مجال الحضارة الأيكولوجية، بإعتباره المحتوى الرئيسى (للبناء المشترك للحزام والطريق).
ونجد هنا مدى إشادة المجتمع الدولى بالجهود الصينية فى هذا الإطار على نطاق واسع. مع تأكيد (برنامج الأمم المتحدة للبيئة)، بأن نظاماً قوياً متعدد الأطراف تشارك فيه الصين بعمق، يعد هو المفتاح الرئيسى الذى ساهم فى نجاح التجربة الصينية فى تبوأ مكانة عالمية متقدمة للحفاظ على التنوع البيولوجى.
