مصر وميزان الإقليم… كيف تعيد القاهرة رسم المشهد دعماً للقضية الفلسطينية؟
كتبت: شيرين الشافعي
القضية الفلسطينية… اختبار إقليمي ودور مصري فاعل
في بيئة إقليمية تتسم بتشابك الأزمات وتسارع التحولات، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف سياسي تقليدي، بل تحولت إلى محور اختبار حقيقي لإعادة تشكيل موازين القوى ومسارات النفوذ في الشرق الأوسط. وفي خضم هذه اللحظة الدقيقة، تتحرك مصر وفق رؤية استراتيجية تتجاوز منطق الاستجابة للأحداث، لتؤسس لنمط إدارة متكامل يجمع بين توظيف أدوات القوة السياسية، وتفعيل أدوارها الإنسانية، بما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الصراع وتعقيداته.
هذا التحرك لا ينفصل عن ثوابت تاريخية راسخة، لكنه في الوقت ذاته يعكس تطورًا نوعيًا في آليات التأثير، حيث تسعى القاهرة إلى إعادة ضبط إيقاع المشهد الإقليمي، ومنع انزلاقه نحو سيناريوهات الفوضى الممتدة، عبر تثبيت معادلة التهدئة، وفتح مسارات سياسية قابلة للاستدامة. ومن هنا، يكتسب الدور المصري بعدًا يتجاوز الوساطة التقليدية، ليصبح عنصرًا فاعلًا في إعادة صياغة مسار القضية الفلسطينية ضمن إطار أكثر توازنًا وعدالة.
وفي هذا السياق، جاءت حلقة برنامج “مصر الآن” بقناة النيل للأخبار لتسلط الضوء على أبعاد هذا الدور، من خلال قراءة تحليلية معمقة لجهود القاهرة في دعم القضية الفلسطينية، سياسيًا وإنسانيًا، في ظل تداعيات أحداث 7 أكتوبر وما أعقبها من تصعيد غير مسبوق.
استضافت الحلقة، من داخل الاستوديو، الكاتب والمحلل السياسي هاني فاروق مدير تحرير الأهرام، إلى جانب، عبر زووم من القاهرة، اللواء دكتور أحمد الجيزاوي خبير شؤون الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية، حيث قدّم الضيفان رؤية متكاملة لطبيعة التحرك المصري وأبعاده الاستراتيجية.
دبلوماسية التهدئة وصناعة الحل
لم يكن التحرك المصري منذ اندلاع الأحداث تحركًا تقليديًا أو محدود الأثر، بل اتسم بالسرعة والمرونة، ما ساهم في تثبيت القاهرة كطرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في معادلة التهدئة. فمن خلال أدوات دبلوماسية متعددة، أبرزها قمة القاهرة للسلام، نجحت مصر في إعادة توجيه بوصلة الاهتمام الدولي نحو جوهر القضية الفلسطينية، بعيدًا عن محاولات التهميش أو الاختزال.
وفي موازاة التحرك السياسي، واصلت القاهرة ممارسة ضغوط دبلوماسية متوازنة لدفع المجتمع الدولي نحو تبني حل الدولتين، باعتباره المسار الوحيد القادر على تحقيق سلام عادل وشامل. وهو ما يعكس تمسكًا مصريًا بثوابتها التاريخية، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية.
وتبرز قدرة مصر على تحقيق توازن دقيق بين علاقاتها الدولية والإقليمية، وبين التزامها الثابت بدعم الحقوق الفلسطينية، كأحد أهم عناصر قوتها. هذه القدرة هي ما منح القاهرة صفة “رمانة الميزان” في مفاوضات التهدئة، حيث تتحرك بخطى محسوبة بين مختلف الأطراف، ساعية إلى احتواء التصعيد وفتح مسارات للحل.
ورغم تعثر بعض جولات التفاوض، تواصل الوساطة المصرية جهودها للحفاظ على وقف إطلاق النار، من خلال طرح سيناريوهات متعددة تستهدف منع الانزلاق نحو مواجهات أوسع، خاصة في ظل تعدد الأطراف الفاعلة إقليميًا ودوليًا.
رفح والبعد الإنساني
وعلى الصعيد الإنساني، لعبت مصر دورًا محوريًا لا يقل أهمية، حيث تحول معبر رفح إلى شريان حياة حقيقي لقطاع غزة، في ظل ظروف لوجستية وأمنية معقدة. وتشير الأرقام إلى دخول مئات الآلاف من الأطنان من المساعدات، وهو ما ساهم في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية داخل القطاع.
كما عكست القوافل الإغاثية، مثل “زاد العزة”، نهجًا مصريًا لا يقتصر على الاستجابة اللحظية، بل يمتد إلى استراتيجية دعم مستدامة، مدعومة بجهود طبية وإنسانية واسعة النطاق، ساهمت في علاج المصابين وتقديم الدعم اللازم للمتضررين.
وفي مواجهة محاولات التهجير القسري للفلسطينيين، أكدت مصر موقفها الحاسم برفض هذه السياسات، باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، وخروجًا عن قواعد القانون الدولي.
ولا يمكن قراءة التحرك المصري بمعزل عن هدف أوسع يتمثل في إعادة صياغة مسار القضية الفلسطينية، بما يتجاوز إدارة الأزمة إلى بناء مسار سياسي مستدام. وهو ما يتجلى في استضافة القاهرة لجولات الحوار بين الفصائل الفلسطينية، في محاولة جادة لتوحيد الصف الفلسطيني كمدخل أساسي لإقامة الدولة المستقلة.
في المحصلة، تكشف مجمل التحركات المصرية عن رؤية استراتيجية متكاملة، لا تكتفي باحتواء تداعيات الأزمة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل معادلة التوازن في المنطقة، بما يعزز فرص السلام والاستقرار.
وهنا يطرح السؤال الأهم: هل نحن أمام دور مرحلي فرضته الظروف، أم أمام استراتيجية ممتدة تعيد تعريف موقع مصر في معادلة الصراع؟
الإجابة، كما عكستها حلقة “مصر الآن”، تميل بوضوح إلى الخيار الثاني… حيث تتحرك القاهرة بثبات، واضعة أسس مرحلة جديدة عنوانها: دعم مستدام… وحل عادل لا يقبل التأجيل.

