اللهجة الصعيدية في الدراما
محمد نجار الفارسي
مش حتيجي تغير خلقاتك يا بووي؟
هذا مقطع حِواري من أحد المسلسلات، لطفل والده صحفي كبير يقيمون في مدينة قنا. هذا المقطع أثار في نفسي سؤالاً كثيرًا ما رددته. إلى متى يظن كُتاب السيناريو والحوار أن الصعيد ما زال منغلقًا على ذاته بلهجته وعاداته القديمة؟ كالثأر والملابس المكركشة وأدوات الزينة كالأقراط الكبيرة والكردان المدلى على صدور النساء والعمم على رؤوس الرجال. هذه هي صورة نمطية مكررة منذ اكتشاف التيلفزيون . فهؤلاء الكتاب لا يعتنون بالمهاد المكاني والزماني للحدث، ومن ثم لا يفرقون بين لهجات الصعيد المختلفة؛ فمن المعلوم أن لهجات أبناء الجنوب بينها فوارق؛ فالسوهاجي لهجته تختلف عن القنائي عن الأسواني، حتى أن لهجة قاطنو المدن في المحافظة الواحدة تختلف عن قاطني الريف، بل هناك – مثلاً – في أسوان قرى لا يفصل بينها سوى نخيلات أو النيل وتجد اختلافا في تعابيرها . اللغة أو اللهجة رمز يتطور مع تقدم عجلات الزمن؛ فمثلاً في قريتي فارس بأسوان، كنا من أربعين عامًا نَصِف الشىء الجميل بكلمة ( صبي )، والتعبير عن كلمة اختفى ( اتودر ) والشيء القبيح ( عفن ) والترحيب بالضيف ( حبابه )، لم تندثرالألفاظ ولكن بقيت على ألسنة الكبار، وبعد هذا الجيل الكبير ستدفن معهم في قبورهم كما دفنت ألفاظًا عديدة من قبل. ومعلوم أن اللهجات تتأثر بالعوامل المحيطة، فأسوان تعتبر معقل القبائل العربية والنوبية، ففي لهجاتها أثر للفصحى الكلاسيكية مثل لفظة ( الهني ) وهي كلمة قبيحة و (لبتُ ) يقولون عندنا : امرأة لوابة، أي كثيرة الخروج والطواف على البيوت، وجاء في الشعر العربي لأبي العلاء المعري:
( لبت ) حول الماء من ظمأ ـــــــــــــ إن غربي ما له مرس
وغيره من الشواهد ، كما تأثروا بالنوبية ( زول ، دوكة ، حبابك عشرة ).
إذن فكيف للهجة مر عليها أكثر ما يقرب من خمسين عامًا ولم تتطور؟ فلهجة فيلم ( شىء من الخوف ) عام 1969 لم تختلف عن لهجة عائلة مسلسل ( سلسال الدم ) عام 2015 .
ولا أشكُ بأن الصعيد حاليًا ربما يكون أكثر مدنية من أحياء في القاهرة.
فالمنطق يقول : لا يمكن لطفل يتعلم تعليمًا مميزًا في رعاية والده الكاتب الصحفي الكبير وفي عاصمة المحافظة بقنا يقول لوالده : مش حتيجي تغير خلقاتك يا بووي؟

