( هى والاحتواء ) ..
بقلم / جيهان عزمى .
جلست أحتسى كوب من الشاى الذى أضفت إليه بعض أوراق من النعناع الأخضر …
وفى يدى الأخرى إحدى الروايات التى استحوذت على كل تركيزى و حلقت بى بعيدا عن أرض الواقع، بل أكاد أقول أن كلماتها قد نسجت حولى رداءاً جعلنى أشعر أننى أحد أبطالها..
ولكن طرقات متتالية على الباب انتزعتنى خارج صفحات الرواية وانا أقوم مسرعة و متعثرة فى سطورها بل و أكاد أسقط على الأرض….
فتحت الباب لأجد أمامى تلك الصغيرة التى لم تتجاوز الخامسة عشر وهى الإبنة الكبرى لجارتى
و قد اغرورقت عيناها بالدموع..
دعوتها للدخول وجلست بجوارها أربت على كتفها متسائلة ما بالكِ يا صغيرتى؟؟
وكأن شلال من الدموع قد انفجر .
ضممتها إلى حضنى…
وبدأت الصغيرة فى الكلام الذى يتلخص فى مدى الألم الذى تشعر به نتيجة التفرقة فى المعاملة بينها وبين اختها الصغرى التى تحظى بكل التدليل والحب والحنان والاحتواء.
وكيف أن أمها لا تمنحها حتى بعض الوقت لتستمع إليها .
أخذت أضمها بحنان وأربت على كتفها دون أن أتكلم لبعض الوقت حتى هدأت قليلا وعندما هممت بالتحدث إليها.
رفعت الصغيرة عينيها وقالت لى: ليتك أمى لقد منحتينى ما لم تمنحه أمى لى طوال عمرى….
نظرت اليها بدهشة عقدت لسانى ولكن دار فى ذهنى تساؤل ما الذى منحته لكى يا صغيرتى ف أنا لم أنطق بكلمة واحدة بعد ؟
كل ما فعلته هو ذلك الحضن البسيط..
كل ذلك وهى مازالت ساكنة مثل طفل رضيع هادئ مطمئن فى حضن أمه ..
لم أعرف ماذا أقول…..
وأخذت تلك العبارة تتردد بداخلى (منحتينى مالم تمنحه لى أمى)
هل ذلك الحضن هو غايه ما تحلمين به يا صغيرتى وتودين أن تناليه ؟
وهنا أدركت أن هذه الصغيرة لم تكن تحتاج لنصائح أو كلام تعزيه أو حتى عظات دينية بل كل ما كانت تحتاجه هو (الإحتواء)
أُذن تصغى اليها بإهتمام وحنو وحضن آمن تطمئن وتختبئ فيه من قسوة الحياة…
ولكن….
من منا لا يحتاج الى هذا الأمان؟
من منا لا يحتاج الى هذا الإحتواء ؟
والإحتواء هنا ليس بالضرورة أن يكون بالأذرع بل ربما بكلمه أو نظرة ، أو إحساس متبادل وإهتمام، أو حتى إتصال تليفونى يخبرنا أن هناك من يهتم بنا وبتفاصيل حياتنا دون تطفل أو محاولة للسيطرة علينا بل بمحبة صادقة…
أفقت من شرودى على تلك الصغيرة وهى تهم بالرحيل وتودعنى بابتسامتها الساحرة ..
ودعتها بابتسامة مماثلة وانا أشجعها ألا تتردد أن تأتى الىّ فى أى وقت و أن تعتبرنى صديقة أو أم ثانية لها ….
وأخذت على نفسى عهد أن أكون لتلك الصغيرة ذلك الملجأ الآمن…
أحبائى …..
ترفقوا بأبنائكم ،
ترفقوا بعضكم نحو بعض فالحياة أصبحت قاسية بما يكفى ولا تحتاج إلى من يزيدها قسوة بل تحتاج الى من يهتم، يحتوى، يتحنن، ويعطف
من يكن لنا ملاذ و ملجأ يحتوى ضعفاتنا ، نختبئ فيه من قسوة الحياة حتى للحظات نستجمع فيها شتات أنفسنا ونستعيد قوتنا مرة أخرى لنعود إلى معترك الحياة من جديد……
