محمد متولّي الشعراوي… إمام الدعاة
حين انتقل الشيخ الجليل، صبيحة 17 يونيو عام 1998، إلى رحاب مولاه، فإن العالَمُ الإسلامي بأسره بكاه.
كانت جنازته المهيبة في قرية دقادوس (مركز ميت غمر/ محافظة الدقهلية)، بينما الدموع تجري على وجوه الناس في كل البلدان، بعد أن استطاع أن يحجز مقعده الدائم في قلوب مئات الملايين في أنحاء العالم.
وبكته مصر بنسائها وشيوخها وأطفالها وصبيانها وشبابها، ورجالها وجبالها وبحارها وأشجارها ونهرها، لتتحول بيوتُها وشوارعها إلى سرادق كبير، كل مَن فيه، وما فيه، يعزي الآخر، ولا يصدّق أن الرجل الذي يشملهم ببركته ومحبته، ويحتمون بوجوده، غافلهم ورحَل.
ووقف الناس يشاهدون جنازته على الشاشات، ويضربون كفًّا بكَفّ، ويتوجعون من ألم الغياب، وفقدان السّنَد لأرواحهم، ولا يعرفون كيف يتصورن الحياة حين تخلو منه، ومن جلسته المميزة في المساجد، وهو يروح ويجيء في مكانه، ليوزّعَ على الناس ما منحه الله من علمه، بينما يصيح الناس أمامه: الله… الله… الله.
***
يُعد الشيخ الشعراوي واحداً من أشهر مُفسّري معاني القرآن الكريم في القرن العشرين؛ حيث عمل على تفسيره بطرق مبسّطة وسلسة، مما جعله يستطيع الوصول إلى شريحة أكبر من المسلمين في جميع أنحاء العالم العربي، ولقّبه البعض بـ “إمام الدعاة”.
وُلد محمد متولي عبدالحافظ الشعراوي في 15 أبريل 1911، بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، وحفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره، وفي عام 1922، التحق بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وأظهر نبوغًا منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحِكَم. في عام 1923 حصل على “الابتدائية الأزهرية” ودخل المعهد الثانوي، وزاد اهتمامه بالشِّعر والأدب، وحظيَ بمكانة خاصة بين زملائه، فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة، ثم رئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق، وكان معه في ذلك الوقت د. محمد عبدالمنعم خفاجي، والشاعر طاهر أبو فاشا، والأستاذ خالد محمد خالد، ود. أحمد هيكل، ود. حسن جاد، الذين كانوا يعرضون عليه ما يكتبون.
***
التحق الشعراوي بكلية اللغة العربية سنة 1937م، وتخرّج عام 1940م، وحصل على “العالمية” مع إجازة التدريس عام 1943م، وفي عام 1950 انتقل ليعمل أستاذًا للشريعة في جامعة أم القرى بالسعودية، وبعد عودته عُيّن مديرًا لمكتب شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون، ثم سافر إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الأزهر هناك، ومكث بها نحو 7 سنوات قضاها في التدريس.
أثناء وجود الشيخ في الجزائر، حدثت نكسة يونيو 1967، فسجد شكرًا لله على “أقسى الهزائم العسكرية التي مُنيت بها مصر”، وبرّر ذلك قائلاً “إن مصر لم تنتصر وهي في أحضان الشيوعية، فلم يُفتن المصريون في دينهم».
في نوفمبر 1976م أسند ممدوح سالم (رئيس الوزراء آنذاك) إلى الشيخ الجليل وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، التي ظلّ بها حتى أكتوبر 1978، حيث قدّم استقالته بسبب شتم السادات للشيخ أحمد المحلاوي، وبعث وقتها ببرقية للرئيس قال فيها إن “الأزهر الشريف لا يخرّج كلابًا، بل يخرّج شيوخًا أفاضل وعلماء أجلّاء».
***
عُين الشيخ عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية 1980، واختير عضوًا بمجلس الشورى 1980، كما اختير عام 1987 عضوًا بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين).
وقد عُرضت عليه مشيخة الأزهر وعدّة مناصب في عدد من الدول الإسلامية، لكنّه رفض، وقرر التفرّغ للدعوة الإسلامية.
***
ألّف الشيخ الجليل نحو 61 كتابا، أشهرها وأعظمها “تفسير الشعراوي للقرآن”، وصدرت عن الشيخ نحو 6 كتب، منها “الشيخ الشعراوي وفتاوى العصر” (محمود فوزي)، و”الراوي هو الشعراوي” (محمد زايد)، و”الشعراوي بين السياسة والدّين” (سناء السعيد).
في عام 1989 اختارته محافظة الدقهلية شخصية المهرجان الثقافي الذي تعقده كل عام لتكريم أحد أبنائها البارزين، وأعلنت المحافظة عن مسابقة لنيل جوائز تقديرية وتشجيعية، عن حياته وأعماله ودوره في الدعوة الإسلامية محليًا، ودوليًا، ورصدت لها جوائز مالية ضخمة.
***
كان أوّل ظهور للشيخ على التلفزيون المصري عام 1973، في برنامج نور على نور، (من تقديم أحمد فراج)، وتناول مقدمة حول التفسير، ثم شرع في تفسير سورة الفاتحة وانتهى عند أواخر سورة الممتحنة وأوائل سورة الصفّ، وحالت وفاته دون أن يفسّر القرآن الكريم كاملاً، لكن للشيخ تسجيل صوتي يحتوي على تفسير جزء عمّ (الجزء الثلاثون).
ويقول الشيخ موضحًا منهجه في التفسير: “خواطري حول القرآن الكريم لا تعني تفسيراً للقرآن، وإنما هي هبات صفائية تخطر على قلب مؤمن في آية أو بضع آيات، ولو أن القرآن من الممكن أن يُفسّر، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أولى الناس بتفسيره. لأنه عليه نزل وبه انفعل، وله بُلّغ وبه علم وعمل، وله ظهرت معجزاته، ولكنّ الرسول الكريم اكتفى بأن يبيّن للناس على قدر حاجتهم من العبادة التي تبيّن لهم أحكام التكليف في القرآن الكريم، وهي «افعل.. ولا تفعل».
***
استغنى الشعراوي بحُبّ الله وطاعته عن الناس، فرزقه الله حُبّ الناس وطاعتهم، ليعيش حياته إماما للمسلمين، إذا جلس وتحدث أنصت الجميع، وإذا قام وحكم خضعت الرقاب، وإذا سار في طريق تراصَّ البشر ليقدموه عليهم.
وتواضع الرجل لله، فرفعه الله إلى أعلى منزله، ووهبه بحراً من العلم، ينهل منه حيث يشاء، يستقطب العُصاة إلى حضرته فيتوبون على يديه، ويهدي الضالين إلى نور الحق، ويبتسم ابتسامة الرضا التي تسكن القلوب وتتعلق بها الأبصار.
واستجاب الشيخ لآليات التقدم التكنولوجي، فأقصى عمليات التدوين بالقلم على الأوراق في تفسير القرآن الكريم، ليُعلي من شأن الصوت والصورة، وتصبح «الميديا» هي أداته الجبارة في الوصول إلى عشرات الملايين من خلال برنامجه الذي استطاع أن يحقق أكبر جماهيرية منذ نشأة التلفزيون إلى وقتنا هذا.
أسس الشيخ لمدرسة شفهية في التفسير، تعتمد على البساطة في التناول، والغزارة في العلم، والجسارة في الطرح، والصدق في التناول، والإلهام الذي يأتيه من حيث لا يدري ولا ندري، بينما تظلل السكينة والهدوء والبهجة مجلسَه، ويشعر كل مَن في حضرته بالرضا والراحة والسعادة، لا يتمنى للّحظات أن تنقضي، وكلّما انتهى الشيخ من تقسير آية، استعد للانتقال معه إلى رحاب آيةٍ أخرى.
كانت حلقات الشيخ الجليل بمنزلة وجبات شهية وجرعات ماء يصحّ معها الصيام، ينتظرها المصريون – جميعا – قبل أذان المغرب، ليستمتعوا بفنون التفسير التي كانت حكراً على الشيخ ولم يُفْشِ أسرارها لأحد من تلاميذه.

