تحت شعار “تشكيل نقاط نمو جديدة – اساس لعالم متعدد الاقطاب”، انطلقت في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية اعمال المنتدى الاقتصادي الدولي ال 27، و كالعادة يعكس برنامجه القضايا الأكثر إلحاحا في عصرنا ويناقش سبل التعامل معها.
ونقلت مؤسسة “روس كونغرس”، المسؤولة عن تنظيم الحدث، عن أنطون كوبياكوف مستشار الرئيس الروسي والسكرتير التنفيذي للجنة المنظمة للمنتدى ان حوالي 17 ألف شخص و3.4 ألف ممثل لوسائل إعلام من 136 دولة, أعلنوا نيتهم المشاركة في اعمال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2024, و الذي سيستمر من 5 إلى 8 يونيو/ حزيران الجاري .
وعلى خلفية عدم الاستقرار الجيوسياسي و الاقتصادي الكبير، سيركز منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي – 2024 في المقام الأول على إيجاد حلول واقعية لمشاكل التقلبات والاضطرابات على المستويين الإقليمي والعالمي. وهذا ما يدل عليه برنامج المنتدى وجغرافية المشاركين فيه.
و تسود القناعة بان التعددية القطبية هي الأساس الوحيد الممكن للاستقرار العالمي، و الا سيصعب ايجاد حلول عادلة لمشاكل ذات خصوصيات إقليمية عمرها عقود.
وفي حالة كل دولة، وكل منطقة، يجب الأخذ بعين الاعتبار تجربتها التاريخية والثقافية الفريدة والاستفادة منها. ولكن في الوقت نفسه، من الضروري تشبيكها في البنية المتعددة الاتجاهات للعالم الحديث، وتكميلها بحلول تكنولوجية وإدارية جديدة، في هذه الحالة فقط سيكون من الممكن ان نعمل معا، مع الحفاظ على هويتنا وسيادتنا، بالرغم من التحديات العالمية: كالحروب، والأزمات الاقتصادية والبيئية.
على هذا الأساس، جرى انتقاء موضوعات المنتدى، مثل “الانتقال إلى نموذج متعدد الأقطاب للاقتصاد العالمي”، وهو الموضوع الأكثر إثارة لاهتمام الشركاء الأجانب. وفي هذا الإطار، من المنتظر عقد سلسلة من الشراكات الهامة.
وسيجري على وجه الخصوص عرض التجربة العالمية لدولة الإمارات العربية المتحدة في مجال التطوير الابتكاري للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كجزء من العرض التقديمي “نقطة البداية لدخول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”: تحليل الوضع مع الشركات الصغيرة والمتوسطة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وسيدير هذه الفعالية “ديفيد ثابت”، مستشار وزير الاقتصاد في دولة الإمارات العربية المتحدة.
و نلاحظ أن التعاون مع البلدان العربية و الأفريقية يلقى اهتماما متزايدا في الاعوام الاخيرة، فقد كانت دولة الإمارات ضيف الشرف في العام الماضي، و قبل ذلك قطر و مصر التي ستشارك في هذا العام بوفد رفيع المستوى،
بينما ستكون سلطنة عمان ضيف الشرف في هذا العام.
وستقام عدد من الفعاليات في إطار المؤتمر الروسي الأفريقي “المياه أغلى من الذهب” الذي يعتزم المشاركة فيه وزيرا الموارد المائية في السودان والنيجر.
وبشكل عام، سيتم تخصيص العديد من فعاليات المنتدى لجوانب التغلب على الأزمة البيئية باسم التنمية المستدامة العالمية. ومن أهم المناقشات في هذا الصدد مناقشة “الاقتصاد منخفض الكربون كقاطرة لتنمية روسيا والصين والدول الأوراسية”، والتي سيشارك فيها “هوانغ بن”، رئيس لجنة الحزام والطريق، و”كاترين كنايسل” (وزيرة خارجية النمسا سابقا)، وعدد من المتخصصين الآخرين من روسيا وكازاخستان وقرغيزستان ودول آسيان.
ومن عام إلى آخر، يغدو التعاون في إطار مجموعة البريكس موضوعًا متزايد الأهمية للمنتدى. وفي هذا السياق، فإن مناقشة “البريكس – نقطة بداية جديدة” تتوافق بشكل واضح مع شعار منتدى سنغافورة للاستثمار في البنية التحتية. وسيناقش ممثلون من البرازيل وإيران والمملكة العربية السعودية وروسيا وجنوب أفريقيا ودول أخرى، كيفية تشبيك العمليات التجارية بشكل أكثر فعالية ومزامنة لأجندة الأعمال لاقتصادات بريكس+ التي تمثل 50% من سكان العالم و36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
من جهة اخرى نلاحظ انه في هذا العام جرى تنظيم هيكلية فعاليات المنتدى بطريقة يجري من خلالها تنفيذ سلسلة كاملة من حوارات الأعمال الثنائية حول منصات مواضيعية مشتركة، كمثال، توحيد دول البريكس+ أو دول الأتحاد الأقتصادي الأوراسي (EAEU) – مثل روسيا والبرازيل وروسيا وفنزويلا وروسيا -كازاخستان، روسيا-قيرغيزستان،روسيا-جنوب أفريقيا.
في الواقع، هذا يشعرنا بتناغم التنظيم مع توجهات العالم و المنتدى نحو إعادة إنتاج نموذج لاقتصاد عالمي متعدد الأقطاب، داخل منتدى واحد، عندما ترتبط الاستراتيجيات العامة لتنظيم العمليات التجارية العالمية وحل المشكلات العالمية بواقع العلاقات الاقتصادية الثنائية.
لقد أصبح من المعتاد بالنسبة لـمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي مناقشة قضايا وآفاق تنمية مناطق القطب الشمالي في روسيا وطريق بحر الشمال. ومن المقرر أن يحضر مؤتمر “يوم القطب الشمالي” رؤساء العديد من المناطق القطبية في الاتحاد الروسي: مناطق أرخانجيلسك ومورمانسك وجمهوريات كاريليا وكومي وساخا (ياقوتيا) ومنطقة نينيتس المتمتعة بالحكم الذاتي. يُظهر هذا الاهتمام بالمنتدى من جانب رؤساء المناطق أن الشمال الروسي أصبح إحدى النقاط الرئيسية للنمو الاقتصادي (وله أهمية لوجستية دولية) – سواء بسبب ثروة الموارد الطبيعية أو بسبب موقعه الجغرافي المناسب.
هناك موضوع شامل آخر للمنتدى وهو “التقنيات التي ستوفر القيادة”. وفي هذا الصدد، من المقرر خلال المنتدى عقد عدد من الأحداث المخصصة لخلق أقصى الظروف المؤاتية لشركات تكنولوجيا المعلومات الروسية ورقمنة الاقتصاد والتقنيات غير المأهولة ودمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التجارية. تبدو مناقشة “الرقمية للتصدير” ذات أهمية خاصة، حيث يتم في إطارها النظر في استراتيجية التحسين الرقمي الأقصى لإمدادات التصدير من السلع الروسية. يتيح العمل المتسق في هذا الاتجاه للشركة المصنعة التركيز على تحسين جودة المنتج، فضلاً عن تقليل التكاليف، والتي كانت تعوقها في السابق الإجراءات الوثائقية المعقدة لتسجيل مستلزمات التصدير. وتظهر التجربة الحقيقية بوضوح أنه كلما زادت أهمية رقمنة الصادرات، كلما أصبح المصدرون الروس أكثر جاذبية للشركاء الأجانب.
وفي الوقت نفسه، ستجري مناقشة المشاريع المبتكرة الرئيسية، لقضايا الأمن السيبراني الدولي. فقد أصبحت التهديدات الرقمية للشبكات مشكلة عالمية، وتسعى روسيا جاهدة إلى أن تصبح رائدة في ضمان الأمن السيبراني ، معتقدة بحق أن هذه الخبرة تصبح أكثر فعالية وأداة أساسية للدبلوماسية الدولية. وكعنصر عملي في هذه المناقشة، سيتم عقد المواجهة الدولية للمعركة السيبرانية في جميع أنحاء المنتدى، والتي سيتم خلالها عرض التهديدات السيبرانية والإجراءات المضادة لها بأكثر الأشكال وضوحًا.
يتضح مما سبق، أن مسار العمل في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2024 مثل “أهداف وغايات الاقتصاد الروسي” يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنطق شبكة تنمية اقتصادات الدول الصديقة الممثلة في مجموعة البريكس+، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والعديد من دول أفريقيا وأمريكا الجنوبية. يوضح هذا النهج في تحديد الاتجاهات الرئيسية لتنمية الاقتصاد الروسي انفتاحه وكفاءته العالية جدًا على المستوى الدولي. وفي ظل ظروف ضغوط العقوبات غير المسبوقة، لا تزال روسيا واحدة من الموضوعات الرئيسية للعلاقات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، يصبح من الواضح أن الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى توفير موارد الطاقة والمواد الخام الأخرى للسوق الخارجية، قد حدد بالفعل مسارًا لتطورات تصدير التكنولوجيا الفائقة، خاصة في مجال الحلول الرقمية أيضًا. كتشكيل أنظمة طاقة منخفضة الكربون صديقة للبيئة.
و أخيرًا، الموضوع الرئيسي الرابع لـمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2024 ” المجتمع الصحي والقيم التقليدية والتنمية الاجتماعية من أولويات الدولة”، يرتبط هذا الأمر بالاستراتيجيات الرئيسية للتنمية السياسية الداخلية للبلاد. ومع ذلك، فهي ترتبط بالأسس التاريخية والثقافية لتطور العديد من الحضارات العالمية. عندما يتعلق الأمر بالقيم التقليدية، أولا وقبل كل شيء، عليك أن تضع في اعتبارك أنها الأساس التاريخي الذي تشكلت عليه السيادة الثقافية للشعب. وبدون الحفاظ على عالم القيم الخاص بنا، لا يوجد استقلال ثقافي، وبالتالي لا توجد فرصة لخلق معاني حضارية فريدة تثري الثقافة العالمية وتقربنا من حل المشاكل العالمية. ولذلك، فإن مناقشة القيم التقليدية ومحتواها ودورها في تنمية الدولة يتبين أنها ذات أهمية كبيرة في ضوء تطوير استراتيجيات الحفاظ على استقلال أي دولة. وبهذا المعنى فإن أهم القضايا التي من المقرر مناقشتها في المنتدى هي مشاكل العلاقة بين القيم التقليدية للشعوب المختلفة ودورها في عملية العولمة متعددة الأقطاب. إن تجربة الشعب الروسي -المتعدد القوميات- بهذا المعنى فريدة من نوعها وتستقطب اهتمام المجتمع الدولي الصديق.
وبالتالي، يغطي المنتدى مجموعة واسعة من المواضيع التي تتجاوز حتماً القضايا الاقتصادية الضيقة، لأن الاعتبار الصحيح للعوامل غير الاقتصادية التي تؤثر على تنمية الاقتصاد الوطني والعالمي هو مفتاح تطوير الأعمال الناجحة.
وضاح الجندي – مدير مركز التعاون العربي الروسي

