“عدسة بلا قلب: حين يُغتال الضمير باسم التصوير”
بقلم: سهير مجدي
في زمن لم يعد فيه الإنسان ينظر إلى الإنسان، بل إلى كاميرا هاتفه، تحوّل كثيرون إلى شهود عيان على مآسي لا يتدخلون فيها، بل يوثقونها بكل برود وكأنهم يلاحقون “ترندًا” جديدًا. أصبحنا نرى فيديوهات لأشخاص يلفظون أنفاسهم الأخيرة، أو أطفال يتعرضون للتحرش، أو نساء يُضربن في الشارع، والكل مشغول بتثبيت زاوية التصوير لا تثبيت الضمير.
الهوس بالتصوير تحول من وسيلة توثيق إلى أداة استباحة، تُنتزع فيها خصوصية الآخرين، ويُترك فيها الجرح نازفًا بينما العدسة تقترب أكثر فأكثر. كم من مريض سقط في الطريق، فتجمهر الناس لا ليساعدوه، بل ليصوروا مشهده الأخير؟ كم من مجني عليه تُرك بلا إسعاف لأن المنقذ المحتمل كان يصور؟
الجرائم التي تُرتكب بسبب هذا الهوس تتنوع:
1. الامتناع عن النجدة:
في القانون، الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في خطر قد يُعد مشاركة في الجريمة أو تقاعسًا يرقى لمستوى الجُرم، خاصة إذا أفضى ذلك إلى الموت.
2. الاعتداء على الخصوصية:
تصوير الناس دون إذن في أماكن عامة وخاصة، ونشر صورهم دون موافقة، يُعد جريمة في كثير من القوانين، ويعرض الجاني للمساءلة الجنائية.
3. التحريض أو التشهير:
بعض الفيديوهات تُحرّف السياق، وتُستخدم للتشهير أو التحريض، مما قد يؤدي لخراب بيوت أو انهيار نفسية أفراد أبرياء.
4. تضليل العدالة
تصوير لحظات بعينها دون سابقها ولا لاحقها، قد يخدع الرأي العام ويؤثر على مسار التحقيقات القضائية.
لماذا وصلنا إلى هنا؟
لأن المجتمع بات يبحث عن لحظة “السبق”، لا لحظة الإنقاذ. لأن ثقافة “اللايك والشير” أصبحت أهم من فعل الخير. ولأن هناك فراغًا أخلاقيًا لا يملؤه سوى العودة إلى إنسانيتنا، ومساءلة أنفسنا: هل ألتقط صورة أم أمد يدي؟ هل أكون بطلاً خلف الكاميرا أم أمامها بالفعل؟
في النهاية، لا أحد يطلب منا أن نكون أبطالًا خارقين، فقط أن نكون بشرًا. أن نغلب الرحمة على الرغبة في التوثيق. وأن نتذكر دائمًا: الصورة تموت، لكن الفعل يبقى.
كلمة من الكاتبة:
أنا مش ضد الكاميرا، ولا ضد التوثيق. بالعكس، أؤمن إن الصورة ممكن تكون سلاح ضد الظلم، وأداة للوعي. لكن لما الصورة تتحول لبديل عن الفعل، عن الرحمة، عن النجدة، تبقى مش صورة.. تبقى خيانة.
لو لقيت حد بيقع، ساعده قبل ما تصوره. لو شفت مظلوم، أنقذه قبل ما توثق قهره.
اللحظة اللي ممكن تنقذ فيها روح، أهم ألف مرة من ترند يلم إعجابات وينام في الذاكرة بعد يومين.
خليك بني آدم.. قبل أي حاجة تانية.

