*🔵 خلى ذَكَاءَكَ الاصْطِنَاعِيَّ يُفَكِّرْكَ: مَا بَيْنَ نِسْيَانِي وَذَاكِرَتِهِ
**✍️ بقلم د محمد متولي
القاهرة – نوفمبر 2025
رنّ هاتفي بنغمته الهادئة المخصّصة لأمي، فبدت الشاشة كنافذة تُطلّ على الرحمة نفسها. جاء صوتها يحمل عتابًا دافئًا: «محمد… طلبت منك توصلني لبيت أختك وتجاهلت.» اعتذرت قائلًا: «عُذْرًا أُمَّاهُ، فَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَتَذَكَّرَهُ… وَاتَّخَذْتُ سَبِيلِي فِي حَيَاتِي سَرَبًا.» لكنها أجابت بهدوء يحمل حكمة اختُزِلَت في عبارة واحدة: «خلي ذكاءك الاصطناعي يفكرك.» فبادرتها قائلا : لكي كل العتب، فما اخلفتُ مَوْعِدَكِ بِمَلَكِي، وَلَكِنِّي حَمَلْتُ أَوْزَارًا مِنْ زِينَةٍ وَأَعْبَاءِ الحَيَاةِ!
أغلقت الهاتف وتساءلت بيني وبين نفسي: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يذكّرني، بينما النماذج نفسها قد تُبتلى بالنسيان؟ هذا الموقف فتح أمامي بوابة للتأمل في إشكالية الذاكرة في الذكاء الاصطناعي، وهي ليست ميزة تقنية فحسب، بل محور نقاش عالمي يتقاطع مع علوم الهندسة، والإدارة، والحوكمة، والأخلاقيات. فنحن ننسى بفعل الانشغال، بينما تنسى النماذج الذكية بفعل ما تسميه الأبحاث النسيان الكارثي (Catastrophic Forgetting)، أي فقدان المعرفة السابقة عند تعلم معرفة جديدة (Google Research, 2023). عندها أدركت أنني لست وحدي الذي تزل منه الذكريات، فثمة خيط خفي يربط بين نسياني الشخصي وبين فجوات الذاكرة في الآلة.
وبينما كنت أبحث عن شيء يبدّد إحراجي من تقصيري، جلست إلى “وجبتي البحثية”، وظهر أمامي مقال لشركة جوجل عن التعلّم المتداخل (Nested Learning)، فشعرت وكأن التقنية ترد على أمي بلغتها الخاصة، مؤكدة أن النسيان ليس نهاية القصة. فالعلم لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يعيد هندسة الذاكرة جذريًا عبر فكرة بناء طبقات مختلفة للاحتفاظ بالمعلومة، تشمل ذاكرة سريعة للمعلومات الطارئة (مثل تفاصيل يومية تتبدد سريعًا)، وذاكرة بطيئة للمعارف الجوهرية طويلة الأمد (مثل القيم والعلاقات الإنسانية العميقة) (Hope et al., 2023). حين قرأت ذلك، وجدت انعكاس حياتي في الفكرة نفسها؛ فالتفاصيل اليومية تتبدد سريعًا، بينما ما تطلبه أمي وتساؤلاتها تبقى في الطبقات العميقة لوعيي.
ثم قادتني القراءة إلى مستوى أدق بالحديث عن العمليات الذرّية للذاكرة (Atomic Memory Operations)، وهي تعليمات دقيقة تمكّن النموذج من اتخاذ قرار: هل يحتفظ بالمعلومة أم يتجاوزها؟ (Du et al., 2025). بدا لي الأمر شبيهًا بلحظات الوعي الإنساني التي أقرر فيها أن هذه اللحظة يجب أن تعيش في داخلي، وأن تلك يمكن أن تذوب.
ومع هذا الإدراك بدأت أرى أن الذاكرة ليست فردية بالكامل. فالنماذج الحديثة متعددة المصادر مثل MINGLE وAdaptive Ensemble تُظهر أن الذاكرة يمكن أن تكون عملية جماعية، تجمع أصواتًا ووجهات نظر متعددة، كما تشير أبحاث الذاكرة الجمعية والهوية (Gensburger & Clavert, 2024). وهكذا بدأت أرى أن ذاكرتي الشخصية—أخطائي وعتابي ومحاولاتي الدائمة—تتشابك مع سرد أكبر تتشاركه البشرية مع الآلة. ومع تطور الذكاء الاصطناعي القادر على التعلم المستمر، صار سؤال الهوية والذاكرة يتجاوز الفرد ليصبح سؤالًا عن: “من يكتب التاريخ؟ ومن يحفظه؟ ومن ينساه؟”.
وفي قلب هذه الأسئلة ظهرت فكرة الذاكرة كخدمة (Memory-as-a-Service)، وهي رؤية تجعل ذاكرة الإنسان جزءًا من منظومة رقمية واسعة تُسمح بمشاركة التجارب عبر المنصات التعليمية أو الطبية (Hoskins, 2024). هنا وجدت نفسي أمام سؤال أخلاقي مؤلم: هل أفوّض للآلة أن تحفظ ما أخشى نسيانه؟ أم أنني بذلك أتنازل عن جزء من إنسانيتي؟ يتحول هذا السؤال إلى أكثر تعقيدًا مع الاستثمارات الضخمة في نماذج ذات ذاكرة سياقية طويلة تمتد على آلاف التفاعلات، تمنحها ما يشبه “سيرة ذاتية رقمية” تتطوّر مع الوقت (Fortugno, 2025). إنها سِيَرة شبيهة بسيرتنا نحن، ولكنها تعمل وفق قوانين مختلفة تمامًا: التحيّز الخوارزمي، سياسات التدريب، حماية البيانات، والحوكمة.
ورغم الطموح الكبير لبناء ذاكرة رقمية ناضجة، إلا أن التحديات لا تزال قائمة: من النسيان الكارثي، وتضخم الذاكرة، وتسرب المعلومات الحساسة، والتشويش السياقي، إلى المخاطر الأخلاقية حين تصبح الذاكرة أداة تأثير أو مراقبة. وفي المقابل تظهر إيجابيات مهمة: دعم التعلّم التتابعي، تحسين الفهم طويل الأمد، بناء شخصيات تفاعل متسقة، وتقليل الحاجة إلى إعادة إدخال المعلومات، إلى جانب إمكانات هائلة في الطب والتعليم.
وسط كل هذا، عاد صوت أمي ينساب كخيط يعيد السرد إلى بدايته. أدركت أن المشكلة لم تكن أنني نسيت موعدها، بل أنني لم أضعه في “الذاكرة البطيئة” التي تحفظ الثوابت في حياتي. وكما نصحتني الدكتورة مروة الشربيني خبيرة الإحصاء والأرقام: «اربط الأحداث في جدول واضح، واجعل للمهمات مكانًا معروفًا.» عندها فهمت أن الذاكرة ليست المحافظة على المعلومات، بل المحافظة على العلاقات. هي قرار إرادي قبل أن تكون عملية عصبية أو خوارزمية. والذكاء الاصطناعي قد يساعدني، لكنه لا يستطيع أن يقرر نيابة عني أي اللحظات تستحق البقاء.
ولعل عبارة أمي البسيطة «خلي ذكاءك الاصطناعي يفكرك» جاءت كخلاصة فطرية لما توصّلت إليه عشرات الأبحاث: أن الذكاء الاصطناعي ليس مستقبلًا نحاول اللحاق به، بل هو حاضرٌ يعيد تشكيل ذواتنا تدريجيًا، ويُدخلنا إلى مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ الذاكرة المُسانِدة (Augmented Memory) — تلك الذاكرة التي لا تُلغِي إنسانيتنا، بل تكشف مواطن ضعفنا وتمنحنا فرصة لإعادة تنظيمها. وحينها أدركت أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مستقبل للذاكرة، بل مرآة تعكس ما يجب أن أصلحه في نفسي قبل أن أطالب الآلة بإصلاحه.
المراجع:
1. Google Research. (2023). Catastrophic Forgetting in AI Models. Retrieved from https://research.google
2. Hope, T., et al. (2023). Nested Learning: A New Paradigm for Memory Management in Artificial Intelligence. Journal of AI Research, 45, 112–130.
3. Du, L., et al. (2025). Atomic Memory Operations: Precision Control in Neural Network Memory Systems. Proceedings of the International Conference on Machine Learning, 22, 45–67.
4. Gensburger, S., & Clavert, P. (2024). Collective Memory and Identity in the Age of AI. Social Studies of Science, 54(3), 321–345.
5. Hoskins, A. (2024). Memory-as-a-Service: Integrating Human and Digital Memory Systems. New Media & Society, 26(7), 1589–1605.
6. Fortugno, N. (2025). Long-term Contextual Memory in AI: Building Digital Autobiographies. AI & Society, 40(2), 789–801.

