ابني اتغير… ولا أنا اللي ماعرفش ابني؟
«يا دكتور… ده مش ابني!»
«بنتي اللي ربيتها مش هي دي اللي قاعدة قدامي!»
جمل كثيرًا ما نسمعها من آباء وأمهات يقفون عاجزين أمام تغير مفاجئ في أبنائهم. طفل كان هادئًا، اجتماعيًا، متفوقًا، قريبًا من أسرته، ثم فجأة أصبح منعزلًا، عصبيًا، مندفعًا، أو بدأ في تعاطي المخدرات.
وفجأة، يتحول البيت الذي كان مليئًا بالأحلام إلى بيت مليء بالخوف والاتهامات والأسئلة.
ماذا حدث لابني؟
أين ذهبت ابنتي التي أعرفها؟
ومن المسؤول عن هذا التغيير؟
وهنا تبدأ دائرة اللوم.

الأب يتهم الأم بأنها دللته أكثر من اللازم، والأم تتهم الأب بأنه كان قاسيًا عليه. الأسرة تلقي المسؤولية على أصدقاء السوء، أو الهاتف، أو مواقع التواصل الاجتماعي.
وأحيانًا نذهب إلى تفسيرات أخرى:
«الواد اتحسد»… «البنت اتعمل لها عمل»… «أكيد حد بوّظه».
وبين الاتهام والإنكار، قد ننسى السؤال الأهم:
ماذا حدث لابننا؟
⸻
«ده مجرد طيش شباب»… أحيانًا تكون جملة خطيرة
مرحلة المراهقة وبدايات الرشد ليست مجرد فترة من «طيش الشباب».
إنها مرحلة شديدة الأهمية في نمو الدماغ والشخصية، وفيها قد تظهر للمرة الأولى أعراض بعض الاضطرابات النفسية، رغم أن الشاب أو الفتاة كانا طبيعيين تمامًا في السنوات السابقة.
قد يظهر الاكتئاب في صورة عزلة وفقدان اهتمام وعصبية.
وقد يظهر القلق في صورة تجنب وخوف ورفض للمدرسة أو الجامعة.
وقد يكون الاندفاع وتغير النوم والمزاج علامات تحتاج إلى تقييم دقيق.
وقد يكون تعاطي المخدرات محاولة للهروب من ألم نفسي لم يجد صاحبه طريقة أخرى للتعامل معه.
وأحيانًا تكون التغيرات جزءًا من أزمة عابرة في حياة الشاب، وأحيانًا تكون علامة مبكرة على اضطراب نفسي يحتاج إلى تدخل متخصص.
المشكلة ليست في وجود التغير… وإنما في تجاهل معناه.
⸻
لا تبحث أولًا عن «المذنب»… ابحث عن «السبب»
عندما يتغير ابنك، لا تبدأ بالسؤال:
«مين بوّظه؟»
ابدأ بالسؤال:
«هو محتاج إيه؟»
هل يعاني من اكتئاب؟
هل هناك تعاطٍ أو إدمان؟
هل يمر بأزمة عاطفية أو اجتماعية؟
هل تعرض لتنمر أو ابتزاز أو تجربة مؤلمة؟
هل هناك اضطراب في النوم أو تغير شديد في الشهية والطاقة؟
هل ظهرت تغيرات غير معتادة في التفكير أو السلوك أو الإدراك؟
أم أنه يمر بمرحلة طبيعية من الاستقلال وتكوين هويته، لكننا نحن كآباء لم نتعلم بعد كيف نتعامل معها؟
كل احتمال من هذه الاحتمالات له تقييم مختلف وطريق مختلف للتدخل والعلاج.
ولهذا فإن التشخيص لا يمكن أن يكون من خلال سلوك واحد، ولا من خلال انطباع سريع، ولا من خلال مقارنة الابن بغيره.
⸻
ابنك لم يتحول إلى شخص آخر في ليلة واحدة
من أكثر الأخطاء التي يقع فيها الآباء أنهم ينظرون إلى السلوك الحالي وكأنه يمثل شخصية الابن بالكامل.
«هو بقى كذاب.»
«هي بقت عدوانية.»
«ابني بقى مدمن.»
«بنتي ما بقتش تحترمنا.»
لكن خلف السلوك غالبًا توجد قصة.
قد يكون هناك ألم.
وقد يكون هناك خوف.
وقد يكون هناك احتياج لم يُعبَّر عنه.
وقد يكون هناك اضطراب نفسي لم يتم اكتشافه.
وهنا يجب أن نفرق بين رفض السلوك ورفض الشخص.
من حقك أن تضع حدودًا واضحة أمام العنف، والإدمان، والكذب، والتجاوزات.
لكن وضع الحدود لا يعني أن تقول لابنك:
«أنت وحش.»
يمكنك أن تقول:
«أنا رافض اللي أنت بتعمله… لكني مش رافضك أنت، وأنا مستعد أساعدك.»
وهذا فرق بالغ الأهمية.
⸻
الحب وحده لا يكفي… والعلاج وحده لا يكفي
هناك اعتقادان متطرفان.
الأول يقول:
«سيبه… ده محتاج حب واحتواء بس.»
والثاني يقول:
«ودّيه للدكتور وخلاص.»
والحقيقة أن بعض الحالات تحتاج إلى الاثنين معًا.
الحب لا يغني عن العلاج عندما يكون هناك اضطراب نفسي.
والعلاج لا يغني عن شعور الابن بأنه ما زال محبوبًا ومقبولًا داخل أسرته.
نحن نحتاج إلى:
فهم + حب + حدود + علاج متخصص عند الحاجة.
والأهم أن يأتي ذلك في الوقت المناسب.
⸻
التدخل المبكر قد يغيّر مسار الحكاية
كلما لاحظت الأسرة تغيرًا واضحًا ومستمرًا في شخصية أو سلوك ابنها، خصوصًا إذا صاحب ذلك تدهور في الدراسة أو العمل، اضطراب شديد في النوم، عزلة، تعاطٍ، عدوانية، أفكار غريبة، أو تغيرات حادة في المزاج والسلوك، فلا ينبغي الاكتفاء بالانتظار.
ليس معنى ذلك أن كل تغير مرض نفسي.
لكن معناه أن التغير الملحوظ يستحق أن نفهمه قبل أن نحكم عليه.
والتدخل المبكر في الاضطرابات النفسية وتعاطي المواد قد يكون فارقًا في شدة المشكلة ومسارها وفرص التعافي.
⸻
غيّر السؤال… تتغير علاقتك بابنك
أحيانًا تكون المشكلة في السؤال نفسه.
بدلًا من أن تقف أمام ابنك وتقول:
«أنت بقيت كده ليه؟»
حاول أن تقترب منه وتقول:
«أنا ملاحظ إنك مش زي الأول… ومش جاي ألومك. أنا عايز أفهم. أقدر أساعدك إزاي؟»
السؤال الأول يحمل اتهامًا.
أما الثاني فيفتح بابًا للحوار.
والشاب الذي يشعر أنه سيُحاكم، غالبًا سيغلق الباب.
أما الذي يشعر أن هناك من يريد أن يفهمه، فقد يبدأ لأول مرة في الكلام.
⸻
ابنك مش ضايع… لكنه ممكن يكون تايه.
وابنتك لم تتحول بالضرورة إلى شخص آخر.
ربما هي فقط تواجه عبئًا أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ودورنا كآباء ليس أن نربح المعركة مع أبنائنا، وإنما أن نساعدهم على عبور المرحلة دون أن نخسرهم في الطريق.
فأحيانًا، يكون الفارق بين أن نخسر ابنًا وبين أن نساعده على استعادة نفسه…
سؤالًا واحدًا نطرحه بالطريقة الصحيحة.
«أقدر أساعدك إزاي؟»
الفهم… الحب… الحدود… والعلاج الصحيح عند الحاجة.
أربع أدوات قد تغيّر الحكاية كلها.
د. مهاب عبدالباقي


