أخطر المعارك… تلك التي نخوضها داخل رؤوسنا
وقفتُ أمام طواحين الهواء في هولندا، فوجدتني أستعيد واحدة من أشهر الحكايات في الأدب العالمي: حكاية دون كيشوت، الفارس الذي خرج يبحث عن المجد، فخاض معارك طاحنة ضد أعداء لم يكونوا موجودين إلا في خياله.
لكن مأساة دون كيشوت لم تكن في أنه حارب طواحين الهواء، وإنما في أنه كان يرى فيها عمالقة أشرارًا، ويؤمن بذلك إيمانًا كاملًا.
كان مقتنعًا بأنه يخوض معركة حقيقية، وأنه البطل الذي يجب أن ينتصر. وربما كانت المفارقة الأكثر قسوة أن من حوله انقسموا بين من صدّقه، ومن تبعه، ومن سخر منه، ومن كان يرى الحقيقة التي لم يستطع هو أن يراها.
وأمام تلك الطواحين، سألت نفسي:
كم مرة نفعل نحن الشيء نفسه؟
كم مرة ندخل معارك حقيقية بسبب أشياء ليست حقيقية؟
كم مرة نحارب شخصًا لم يقصد إيذاءنا، لكننا فسّرنا كلماته وفق مخاوفنا؟
كم مرة نقرأ نظرة عابرة باعتبارها احتقارًا، أو صمتًا باعتباره رفضًا، أو تأخرًا في الرد باعتباره تجاهلًا؟
وكم مرة نتصرف تجاه الآخرين ليس بناءً على ما فعلوه بالفعل، وإنما بناءً على القصة التي صنعها عقلنا حول ما فعلوه؟
نحن لا نتعامل مع الواقع كما هو دائمًا
في الطب النفسي وعلم النفس، هناك حقيقة شديدة الأهمية:
الإنسان لا يتألم دائمًا من الحدث نفسه، وإنما كثيرًا ما يتألم من تفسيره للحدث.
فالحدث قد يكون واحدًا، لكن تفسيره يختلف من شخص إلى آخر.
كلمة واحدة قد يراها شخص عادية، بينما يراها آخر إهانة.
تأخر شخص في الرد قد يعني ببساطة أنه مشغول، لكنه بالنسبة لشخص آخر قد يصبح دليلًا على أنه لم يعد يحبه.
نظرة عابرة قد تتحول في عقل شخص شديد الحساسية للرفض إلى رسالة كاملة:
“هم لا يريدونني.”
وهنا تبدأ المشكلة.
العقل لا يكتفي باستقبال الواقع، بل يفسّره ويمنحه معنى.
وأحيانًا، عندما تكون تجاربنا السابقة مؤلمة، تبدأ ذاكرتنا ومخاوفنا في المشاركة في صناعة هذا المعنى.
فنرى الحاضر بعين الماضي.
نسمع الكلمة القديمة في صوت شخص جديد.
ونتوقع الخذلان لأننا ذُقناه من قبل.
فنبدأ في الدفاع عن أنفسنا ضد خطر لم يحدث بعد.
أخطر المعارك هي التي لا وجود لها إلا في رؤوسنا
المشكلة أن المعركة الوهمية قد تنتج نتائج حقيقية.
قد تفسر موقفًا بشكل خاطئ، فتغضب.
ثم تتصرف بغضب، فيبتعد الآخر.
فتأخذ ابتعاده دليلًا على أن شكوكك كانت صحيحة.
وهكذا تدخل في دائرة مغلقة:


