تهدف السياسات العامة بشكل عام لمواجهة القضايا والمشكلات التى تواجه المجتمع وسرعة الإستجابة لها. وإذا أردنا مواكبة العصر فالنطلق على السياسات العامة التى تستبق المشكلات وتتنبأ بالمستقبل مُسمى جديدًا هو السياسات العامة الذكية وذلك لأنها لا تنتهج أسلوب رد الفعل التقليدي وإنما تسعى لأن تكون هي الرائدة والفاعلة والمحركة للمجتمع في سبيل رسم المسار المستقبلي الذي ينبغى أن يتم اتباعه في حل المشكلات والقضايا العامة التى ستشغل جميع أفراد المجتمع في المستقبل.
ونظرًا للتطور التكنولوجي الكبير الذي ظهر في السنوات القليلة الماضية على مستوى المجتمع المصري باتت استطلاعات الرأي الرامية لفهم ومعرفة اهتمامات المواطنين واتجاهاتهم نحو قضايا السياسات العامة وأولوياتهم بشأنها أسهل بكثير مما مضى. لذا فإنه يجب الدمج بين السياسات العامة الذكية واستطلاعات الرأي الذكية لقراءة المستقبل بصورة شاملة تشمل المواطنين العاديين المتأثرين بالسياسات العامة والخبراء والباحثين المُهتمين بالشأن العام وتحليلها بصورة دقيقة وعرضها على صانع القرار الذي يُحدد أولويات السياسات العامة التي يجب التعامل بشأنها.
ولعل نظرة سريعة على مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الإليكترونية المُتعددة بما فيها الصحف الإليكترونية تعكس اهتمام الجميع بالشأن الإقتصادي في ظل الأزمة العالمية التي تفجرت في فبراير 2022 نتيجة إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والتي تسببت في نقص كبير في الإمدادات الغذائية وإمدادات الطاقة بشكل كبير على مستوى العالم وبالتالي زيادة الطلب على تلك الإمدادات مع نقص المعروض منها مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعارها وبالتالي حدوث تضخم كبير في الأسواق العالمية وتراجع القوة الشرائية للعملات وخاصة الجنيه المصري مقابل الدولار بعد زيادة الفيدرالي الأمريكي الفائدة على الدولار بصورة متتالية وغير مسبوقة من قبل مما أدى إلى نقص كبير في الدولار في السوق المصري ونقص كبير في السلع المستوردة واستغلال التجار لذلك بزيادة الأسعار بصورة جنونية وصلت في بعض الأحيان إلى 300% عن الأسعار قبل فبراير 2022 وهو ما شكل ضغطًا كبيرة على موازنة الأسر المصرية محدودة ومتوسطة الدخل وباتت الزيادات تتوالى على مدار اليوم الواحد على أسعار السلع بشكل عام.
ووفقا لبيانات الجهاز المركزى للمحاسبات في العاشر من يناير 2023 فقد واصل معدل التضخم قفزاته في مصر خلال شهر ديسمبر الماضي، وارتفع لإجمالي الجمهورية إلى 21.9% مقابل 19.3% في نوفمبر، ووصل في المدن إلى 21.3% مقابل 18.7%،وكانت أبرز السلع والخدمات التي ارتفعت أسعارها:
– الحبوب والخبز: بنسبة 58.3%. – الألبان والجبن والبيض: بنسبة 48.9%.
– الأسماك والمأكولات البحرية: بنسبة 44.2%. – الخضروات: بنسبة 38.8%.
– البن والشاي والكاكاو: بنسبة 36%. – اللحوم والدواجن: بنسبة 35.5%.
– الوجبات الجاهزة: بنسبة 33.3%. – السكر والأغذية السكرية: بنسبة 31%.
– الفاكهة: بنسبة 15.7%. – الزيوت والدهون: بنسبة 21.8%.
– منتجات العناية الشخصية: بنسبة 23.6%. – المياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية: بنسبة 20.9%. – خدمات مرضى العيادات الخارجية: بنسبة 20%. – خدمات المستشفيات: بنسبة 18%.
ولا شك أن أسعار الغذاء وارتفاعها مُشكلة جوهرية تُعمق أزمة الغذاء العالمي، لكن السؤال الذي يؤرق الجميع الآن، هل ستقف حدود المشكلة عند ارتفاع أسعار الغذاء فقط في عام 2023، أم أن الإنتاج العالمي من الغذاء مُعرض أيضًا للتراجع، ما يزيد من تعقيدات المشكلة الغذائية؟
ووفقاً لتقارير منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة فقد بلغت فاتورة الواردات الغذائية العالمية في 2022 نحو تريليوني دولار أمريكي تقريبا، بزيادة 10% عن المستوى القياسي لعام 2021، كما أن نقص إمدادات القمح والأسمدة أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة فواتير استيراد المواد الغذائية لأكثر الدول ضعفًا بأكثر من 25 مليار دولار، ويعتقد الخبراء أن تلك الفاتورة سترتفع في 2023 مع تباطؤ في وتيرة الزيادة في معدلات الإنتاج لأن العديد من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط والمستوردة للغذاء لن يكون في مقدورها مواصلة الاستيراد، بسبب ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملات المحلية مقابل الدولار الأمريكي.
إن ارتفاع الأسعار العالمية مع انخافض قيمة العملات المحلية يثقلان كاهل القوة الشرائية للدول المستوردة، ويؤثران في أحجام وكميات المواد الغذائية المستوردة، أما الزيادة المتوقع حدوثها في فاتورة استيراد الغذاء فستقف خلفها الدول الغنية ذات الدخل المرتفع، التي تمتلك القدرة على تلبية احتياجات مواطنيها من المواد الغذائية تلك الدول التي تقود المُجتمع الدولي لا تبدو عابئة كثيرًا بالجوع وضحاياه بقدر اهتمامها بالإجهاز على خصومها، أيا كان حجم الألم الإنساني والخسائر البشرية العالمية.
إن تلك الزيادات القياسية والغير مسبوقة التي نلمسها جيمعًا تجعل من الضروري تدخل الحكومة المصرية بصورة قوية وقبل حلول شهر رمضان المُبارك لتدبير احتياجات السوق المحلي من السلع الأساسية وغيرها وتوفير منافذ في جميع محافظات ومناطق الجمهورية يتم فيها بيع تلك السلع بدون أي هامش ربح وبكميات مُحددة لكل شخص حتى لا تصل إليها أيدي التجار الجشعين ليقوموا بشرائها بكميات كبيرة وإعادة بيعها للمواطنين بأسعار مرتفعة وبالتالي تذهب جهود الحكومة هباءًا في هذا الشأن. وللحديث بقية بمشئية الله تعالى.

