(لحظة حقيقة )
أصابني الملل ، بل والتعب أيضا من جلوسي فترات طويلة خلف جهاز الكمبيوتر ..وأنا أتفقد وأتصفح الشبكة العنكبوتية…متنقلا بين مواقعها وصفحاتهامن مكان إلى آخر بحثا عن ما أراه جديدا في شتى أنواع العلوم والمعرفة التي شغفت بها منذ بداية حياتي
تراجعت للخلف بمقعدي واضعا يداي على رأسي في وضع استرخاء …وشردت بذهني إلى ماض قريب في حياتي . وتحديدا حينما أكون متواجدا بمسقط رأسي لقضاء أجازتي السنوية
ونظرا لبعد المسافة بين مكان عملي ومسقط رأسي الذي لا أراه إلا كل عام أو يزيد تقريبا فقداعتدت في تلك الإجازات أن يكون ليوم الجمعة طبيعة خاصة لدي …فبعد صلاة الجمعة أواظب وبشكل منتظم تقريبا أن أذهب لزيارة قبر والدي ووالدتي رحمة الله عليهما مصطحبا معي أبنائي صغيرهم وكبيرهم
وأظل أنا وهم نقرأ ماتيسر لنا من القرأن الكريم ثم ادعوا الله لهم بالرحمة واثناء الدعاء يظل أطفالي يرددون خلفي ويؤمنون على دعائي راجيا الله أن يتقبل منا بحق هؤلاء الصغار الذين لا يعرفون من دنيانا سوى البراءة …وأحسن الظن بالله سبحانه وتعالي أنه لن يضيع دعاؤنا .
يتكرر هذا المشهد كل يوم جمعة تقريبا الا ماندر …
إلي أن كانت الجمعة الاخيرة التي ساكون متواجدا فيها بينهم وبقربهم تلك الجمعة ذهبت لزيارة قبر أبواي بمفردي هكذا شاءت الاقدار
وبعد أن فعلت ما كنت أفعله كل مرة من قراءة قران ودعاء ذهب بي الخاطر إلى ما قبل أن يتوفاهما الله واخذت أتذكرهم وهم في شبابهم وقوتهم بينما أنا كنت لا أزال طفلا…تذكرت تلك الايام الجميلة..عندما كنت أطلب فيستجاب لطلبي ….أأمر فتنفذ أوامري البسيطة…أتكلم قيصمتوا ليستمعوا لكلامي……أضحك ..أرى قسمات السرور في وجوههم….أبكي ..فأرى الحزن في عيونهم وكأنني أنا الملك المتوج في هذا البيت لا يبخلان عليّ بشئ مادي او معنوي
ودام هذا الحال حتي أصبحت صبيا …فشابا …وبدأت افهم وأعي وأدرك ما لي وما عليّ
مرت هذه الذكريات بخاطري سريعا وأنا جالس أمام القبر ولم أشعر بنفسي إلا وقد تساقطت مني قطرات من الدموع على فراقهما وما كانا يفعلانه من أجلي ..فلم أتمالك نفسي وأطلقت العنان لعيناي لتفرغا ما بداخلهما وظللت على هذا الحال بضع دقائق الى أن توقفت الدموع مني وبدأت استرد نفسي التي غابت مع غيابهما للحظه أزعم أنها …..لحظة حقيقة……..بعدها نظرت بعيناي الى خط الأفق الممتد بين السماء والأرض متأملا هذه القبور الكثيرة العدد ..وتساءلت….كم في هذه القبور من آباء وأمهات وأخوه وأخوات وفلذات أكباد؟؟ كم من الناس انقطعت صلتهم بهذه الدنيا التي نعيش فيها؟؟ فقد تساوى منهم من مات بالأمس مع من مات من آلاف السنين
وكما قال عمر الخيام في رباعياته الشهيرة ..فكم تساوى في الثرى راحل غدا وماضي من ألوف السنين
وحين يبعثهم الواحد الأحد مالك الملك قد يتساءلون بينهم كم لبثتم فيجيبون لبثنا يوما أو بعض يوم كما تساءل أهل الكهف بعد أن ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عددا
إنها الحياة الفانية ..الزائفة بكل ما تحويه من مغريات إلا أنها في النهاية هي ….دنيا ….ليس أكثر
لو تذكر كل منا هذه اللحظة وهذه الحقيقة الوحيدة في هذه الدنيا وجعلها من الأولويات في فكره وعقله لما ارتكب من الآثام أصغرها…ولكنها الدنيا التي يأخذنا بريقها ونظن أننا فيها مخلدون….فهل من متعظ؟؟؟؟
(بقلمي)
