حليم .. كما رأيته
————————-
بقلم: محفوظ عبد الرحمن
————————————
21 فبراير 2002
——————————
ونحن طلبة في المدرسة الثانوية تشاجرنا حول من الأفضل: فريد الأطرش أم عبدالحليم حافظ؟ ومن الطريف أن حزب عبدالحليم كان فيه من لم يسمع عبدالحليم ولا مرة في حياته. فلقد انفجرت فجأة حالة عبدالحليم وسرت من الحدود الى الحدود. وأمثالي من الخبراء ـ آنئذ ـ في عبدالحليم لم يكونوا قد سمعوا له غير أغنيتين فقط هما «صافيني مرة» و«على قد الشوق» وربما سمع بعضهم أولى أغانيه «لقاء» من شعر صلاح عبدالصبور وتلحين كمال الطويل وهي مما كان يسمى بالأغاني الاذاعية، أي أنها من انتاج الاذاعة، ومسجلة، ولم تُغن في حفلة عامة. وعندما ركبت القطار متجها الى القاهرة لأدخل الجامعة، كنت أحمل بين يدي حقيبة ملابسي، وبين جوانحي الرغبة في أن أكون في المدينة التي يعيش فيها عبدالحليم حافظ، بالطبع كان عبدالحليم واحدا من قائمة طويلة تضم: طه حسين، وسلامة موسى، وأم كلثوم، وفاتن حمامة، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ وغيرهم.. وأعتبر نفسي محظوظا أنني عشت في هذا الزمن، وأنني رأيت عن قرب أو عن بعد، بل عرفت هؤلاء الذين حلمت برؤيتهم ذات يوم. ولقد رأيت طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ في ندوة نادي القصة التي كانت تعقد يوم الأربعاء وكانت تضم أيضا احسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وحسين فوزي وأمين يوسف غراب. ولقد تجرأت فتبادلت الحوار مع هؤلاء الكبار.
أما عباس العقاد فكانت له ندوة في بيته يوم الجمعة، وكنا نتردد عليها وكنت أحترم العقاد كثيرا لكنني لم أكن أحبه، وفي هذا السن الحب أقوى من التقدير. وفيما بعد تعرفت الى فاتن حمامة، وصارت بيننا مودة قوية أدعو أن تدوم. أم كلثوم سمعت صوتها في التليفون عندما تحدثت مع الاذاعية الرائدة سامية صادق وأتت الى ذكر سطور كنت قد كتبتها عنها، فقالت لها أنني أدخل مكتبها توا لكنني لم أرها سوى مرة قابلتها في المصعد وأنا نازل مع صديق من مكان لا أذكره. وعندما خرجت قلت لصديقي إن المرأة التي كانت معنا في المصعد تبدو مألوفة بالنسبة لي، فلطم على خديه إذ لم يتخيل أن أحدا لا يميز أم كلثوم. وعندما فكرت في ذلك رأيته طبيعيا، فلقد كنت أتخيل أم كلثوم دائما طويلة القامة هيبتها تسيطر على الدنيا، لكنني رأيتها سيدة قصيرة القامة مثل أي سيدة أخرى. أيضا رأيت عبدالحليم عن بعد في الاذاعة، وكتبت له حديثا قاله في الاذاعة. وعشت حياتي منذ شجار الطلبة على الاختيار بين حليم وفريد، وأنا أرى الحياة مع عبدالحليم. صوته هو زادي اليومي طوال ربع قرن فلما مات عبدالحليم وانتهى تلك النهاية التراجيدية ظل صوته رفيق رحلتي الى اليوم. ولم يكن يخطر على بالي أن أكتب عن عبدالحليم. ولكن الكثير مما لا يخطر على بالي حدث.. ورصدت هذه الظاهرة الغريبة التي تكررت مرارا فلقد اختفى عبدالحليم من حياتي، لا أسمع أغانيه، ولا أشاهد أفلامه وتساءلت لماذا يحدث هذا؟
ربما لأنني لا أريد أن أخلط بين المتعة والعمل. وربما لأن قلبي لا يحتمل أن أعمل عن عبدالحليم ثم أستمتع بأعمال عبدالحليم وربما لأنني كأي شخص آخر لا يستطيع أن يتحمل شجن عبدالحليم طوال اليوم. ونظرت الى حياته. ونظرت هنا استعرتها من حديث يوليوس قيصر. فهي ـ بالتأكيد ـ ليست مجرد نظرة، فوجدت حياة حافلة في ربع قرن لا يستطيع أحد أن يلم بها. وفي البداية أردت أن أقترب منه هو عبدالحليم شبانة الذي عرفه العالم باسم عبدالحليم حافظ. ولو أنني القيت السؤال لسمعت من الاجابات ما لا ينتهي. لكنني حاولت أن أعرفه وحدي. مات أبو عبدالحليم قبيل مولده. وماتت أمه بعد ولادته مباشرة. وكان ذلك في قرية صغيرة اسمها «الحلوات» وفي القرية الأم ترضع طفلها وفي عام 1929 لم يكن هناك اللبن الصناعي، واذا كان قد وجد، فإنه بالتأكيد لم يصل الى الحلوات. وأخذته أخته التي تكبره «علية» الى نساء القرية تطلب منهن ارضاعه وكانت النسوة اللائي لهن أطفال يفعلن ذلك بالتأكيد، فمجتمع القرية فيه تكافل بين أفراده. ولكن هذا لم يمنع وجود امرأة تقول لعلية: دعيه يموت فهو ولد نحس قتل أباه وأمه! هكذا بدا الولد قبل أن يعي نتاج قرية كاملة، ورغم ذلك فهو ملعون من امرأة أو أكثر من امرأة.
ولقد ظلت علية شبانة هي الأم البديلة لعبدالحليم وعندما ذاق حلاوة النجاح أراد أن يعوضها عما قاسته معه، ولكن علية ساندته في رحلة مرضه الطويلة حتى مات. وهكذا أعطته وهو طفل رضيع يبحث عن ثدي، وهو نجم نجوم الغناء يبحث عن الراحة من الألم. ودخل عبدالحليم الملجأ. وهو مؤسسة سيئة السمعة تقيمها الدولة للأطفال المشردين، وبينهم الذين ولدوا من علاقات غير شرعية،
وبالتأكيد وجد عبدالحليم من بين المسئولين في الملجأ من يسبه بهذا، فهو لن يبحث في كل حالة وبالتأكيد ولد هذا في نفس عبدالحليم مرارة شديدة. وقصة دخوله الملجأ غامضة، فالبعض يقول أن الأسرة الفقيرة لم تجد طريقا سوى أن تترك للدولة رعاية الصغير. والبعض يقول أن تفرق الأسرة بين البلاد جعل هذا هو الحل المؤقت. ولابد أن نفكر في الأمر مثلما شغلني، فهذا هو طفل الملجأ أدنى درجات الحياة الاجتماعية، وقد أصبح بعد سنوات صديقا للملك الحسن ملك المغرب، وللملك حسين ملك الأردن، والحبيب بورقيبة رئيس جمهورية تونس.. وغيرهم. وعندما نزف على المسرح لأول مرة في عام 1956 وهو يغني أمام جمال عبدالناصر نقلوه الى البيت وبمجرد أن وصل الى هناك ورقد في سريره وجد جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر الى جواره وكان بينه وبين عبدالناصر علاقة عميقة. التناقض بين صورة صبي الملجأ الموسوم بأنه أدنى الدرجات وبين الفنان الذي يصادق الملوك والرؤساء والأسماء شئ يلفت النظر. ترى هل هذا هو تفسير التواضع الشديد والكبرياء الحاد. كان عبدالحليم صديقا للعازفين وللذين يعملون في خدمته، ولأقاربه، وكان يغني في أعياد ميلاد معارفه، لكنه كان يرفض الغناء في أفراح أصحاب الملايين، ويعتز بكرامته أشد الاعتزاز.
في صيف 1952 تعاقد عبدالحليم على الغناء على أحد مسارح الاسكندرية لمدة شهر ولكن الجمهور لم يتقبل أغانيه الجديدة، التي اسمتها لجنة الاستماع في الاذاعة بأنها «خواجاتي» وطلبوا منه أن يغني لهم أغاني عبدالوهاب أو عبدالعزيز محمود. ولكن المطرب المجهول المفلس وقف أمام الجمهور الشرس وأعلن أنه مطرب له أغانيه وأنه لن يغني إلا أغانيه، وأنه لن يردد أغاني أحد حتى لو كان عبدالوهاب.
وبعد عشرة أيام ترك المسرح، ورفض أن يتقاضى أجره عن بقية الشهر رغم أن اثنين من نجوم ذلك الزمن سانداه في هذا هما اسماعيل ياسين وتحية كاريوكا. ورغم أنه كان الى جواره محام شاب هو مجدي العمروسي الذي صار شريكا في «صوت القاهرة» فيما بعد. وبعد وفاة عبدالحليم أصبح من أهم مؤرخيه. إن اليتم الذي عاشه عبدالحليم أكد التحدي في شخصيته. لقد عاش رغم فقدان الأبوين وهو رضيع وقاوم حتى أصبح نجما كبيرا لكنه خرج من القرية بمرض لم يظهر إلا فيما بعد هو البلهارسيا. وتحمل ما تحمله أيوب من عذاب لكنه لم يتوقف لحظة عن العطاء. وعندما مات كانت الى جواره قصيدة عن «القدس» لنزار قباني كان ينوي أن يغنيها. لكن القدر لم يمهله ليغنيها. ولا أدري هل يمهل جيله لينقذ «القدس» أم أن القدس المدينة والأغنية ضاعتا!
