ذكرى مقتل الخليفة الأموي الوليد بن يزيد
مظلوم قتله وشوه سيرته أبناء عمه الأمويين ومدحه الخليفة العباسي هارون الرشيد، أول الخلفاء الضعفاء من بني أمية.
حيث في مثل هذا اليوم
قتل الخليفة الأموي الحادي عشر الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان
وذلك في 28 جمادى الثانية 126 هجري
والموافق في تاريخ 744/04/17م
وهذه 12 نقطة تلخص سيرة هذا الخليفة:
1) ولد في دمشق عام 90 هجري الموافق عام 709م، وأما والده فهو الخليفة الأموي يزيد بن الخليفة عبد الملك بن مروان وأما والدته فهي ام الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي، وهي ابنة أخ القائد الشهير الحجاج بن يوسف الثقفي.
2) في عام 101 هجري الموافق عام 720م تولى والده يزيد بن عبد الملك الحكم، وكان عمر الوليد أنذاك 11 عاما، فبدأ والده يعده للحكم، ولكن وفاة والده السريعة عام 105 هجري الموافق 724م أعاقت تولي الوليد للحكم بسبب أن عمره كان 15 عاما فقط، حيث نجح الأمير مسلمة بن عبد الملك في إقناع والده قبل وفاته بأن يولي هشام بن عبد الملك الحكم من بعده ثم يكون الحكم للوليد بن يزيد.
3) للأسف سلك الخليفة هشام بن عبد الملك مسلك خاطئ تجاه الوليد بن يزيد، حيث سعى لإفساده ولتصغيره أمام العامة والخاصة وأبعده عن شؤون الحكم، ورغم أن هشام بن عبد الملك من أعظم الخلفاء ولكن سلوكه تجاه ابن أخيه تعتبر أكبر أخطائه، حيث يعتبر من أهم واجبات الخليفة إعداد وتجهيز خليفة قوي يلي الحكم من بعده، ولكن هشام خان وعده لأخيه، وعمل على اضطهاد الوليد بن يزيد بهدف إجباره على أن يتنازل عن ولاية العهد، فقد كان هشام بن عبد الملك يطمع في أن يجعل ولده مسلمة بن هشام خليفة من بعده، فحاول هشام إقناع الوليد أن يتنازل فرفض ثم حاول أن يقنعه بأن يجعل مسلمة وليا لعهده فرفض الوليد مرة أخرى.
4) تولى الوليد بن يزيد الحكم عام 125 هجري الموافق عام 743م وقد كان الوليد ضعيفا لا يعرف شيئا عن ترتيبات الحكم وليس له علاقة برجال الدولة وحتى ليس له رجال موالين له بشكل شخصي في دوائر الحكم، وهذا جعله يبدأ عهده برفع رواتب الجند ورفع أعطيات الناس وإكرام الوفود التي تأتي لمبايعته.
5) في بداية عهده سعى أبناء الخليفة السابق هشام بن عبد الملك لتدبير ثورة ضده، ولكن أخبار هذه المؤامرة تسربت مما أدى لقيام الوليد بن يزيد بالقبض عليهم، ومع ذلك كان الوليد بن يزيد كريما رحيما فلم يقم بقتلهم أو سجنهم بل اكتفى بفرض الإقامة الجبرية عليهم في قصر الرصافة، وأما الأمر الغريب في هذه المؤامرة فهو عدم إشتراك مسلمة بن هشام في هذه المؤامرة رغم أنه من كان يسعى له والده، ولهذا بقي الوليد بن يزيد يكرمه ويعظمه ولم يقم بأي إجراء ضده.
6) في عام 125 هجري الموافق عام 743م نجح والي خراسان نصر بن سيار بالقبض على يحيى بن زيد العلوي، وهو ابن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ك) الذي ثار وقتل زمن هشام، فأرسل الوليد رسالة لنصر بن سيار يأمره فيها بإطلاق سراح يحيى وإكرامه، وخاصة أن يحيى كان مختبئ بمنزل في بلخ ولم يكن ثائرا، وبعد إطلاق سراحه رحل يحيى نحو نيسابور، ولم يكن يعلم حاكمها الأموي عمرو بن زُرارةَ بأن الوليد عفا عنه فحاول أن يقتل يحيى ولكن جنده تمردوا عليه وقتلوه، فاشتعلت اضطرابات في خراسان أدت في نهايتها لمقتل يحيى بن زيد.
7) تآمر ضده الأمراء الأمويين وأهمهم الأمير يزيد بن الوليد والأمير سليمان بن هشام، واستغلا ان علاقتهم بالجيش ورجال الدولة أشد من علاقة الخليفة الوليد بن يزيد بسبب إبعاده عن شؤون الحكم زمن الخليفة هشام بن عبد الملك، نشروا عنه بن الجند والقبائل والعامة أخبار عن فساد وفسوق الخليفة الوليد ووصلت أكاذيبهم لدرجة أنهم نشروا عنه بأن يسعى لشرب الخمر فوق الكعبة وأنه أهان القرآن الكريم وأنه عاشر جواري أبيه إلى غير ذلك من التهم الشنيعة التي ألصقها أبناء البيت الأموي بابن عمهم، فتحركت ضد الوليد بن يزيد ثورة كبيرة.
8 ) نجح ابن عمه يزيد بن الوليد في السيطرة على دمشق فهرب الخليفة الوليد بن يزيد إلى حصن العرب قرب تدمر فحاصره الجيش الأموي، فخاطبهم الخليفة الوليد بن يزيد من فوق الحصن قائلا: “ألم أزد في أعطياتكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم” فرد عليه أحد المحاصرين: “ما ننقم عليك في أنفسنا ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله”، وعندها أدرك الوليد نهايته وعاد لداخل الحصن واخذ مصحفا وقال يوم كيوم عثمان، وقضى آخر أوقاته في قراءة القرآن الكريم، فنجح المحاصرين في إقتحام الحصن، وقتلوه أثناء قرائته للقرآن، وكان آخر كلامه قبل أن يقتل، أما والله لئن قتلت لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم، وكان مقتله في 28 جمادى الثانية 126 هجري الموافق في تاريخ 744/04/17م
9) كان له أكثر من زوجة وأما أهم زوجاته فهي الأميرة الأموية عتيقة بنت عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وانجب 15 ولدا وأما أهم أبنائه فهما الحكم وعثمان اللذان عينهما أولياء لعهده، ولكن للأسف تم سجنهم بعد مقتل أبيهم ثم قتلا على يد الخليفة الأموي إبراهيم بن الوليد عندما وصلته أخبار تمرد مروان بن محمد.
10) يعتبر مقتله حدث مفصلي في التاريخ، فرغم أنه كان بداية سلسلة الخلفاء الأمويين الضعفاء، ولكن مقتله كان المسمار الأول الذي دق في نعش هذه الدولة العظيمة، حيث ظهر بشكل واضح الإنشقاق داخل البيت الأموي، وهذا ما جعل زعيم التنظيم العباسي السري الإمام إبراهيم للذهاب إلى دمشق وحضر جنازة الخليفة الوليد بن يزيد، وحضر مبايعة الخليفة الجديد، وأدرك سهولة إنهاء هذه الدولة.
11) تعرضت سيرة الخليفة الأموي يزيد بن الوليد للتشويه، وكان أقاربه الأمويين هم مصدر هذه الإفتراءات، ولكن لاحقا ظهرت مصادر دافعت عنه وذكرت ما يدل على أن الوليد لم يكن على هذه الصورة الماجنة الفاجرة، فإبن الأثير يروي أن الوليد كان عفا ذا مروءة وكان ينهي الناس عن الغناء لأنه يزيد في الشهوة ويهدم المروءة، ثم يقول: “وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا : أنه قيل عنه وليس بصحيح”، وحتى في الزمن الحديث كل المسلسلات التاريخية التي تطرقت له قدمته بصورة الفاسق الفاسد المنحل.
12) في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد دخل على مجلسه أحد أحفاد أخ الخليفة الوليد بن يزيد، وعندما علم هارون الرشيد هويته قال له: ” رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعا عليه! ارفع حوائجك”، فرفعها فقضاها.
**** المصادر:
1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير
2) تاريخ الخلفاء، السيوطي
3) البداية والنهاية، ابن كثير
4) تاريخ الأمم والملوك، الطبري
5) جمهرة أنساب العرب، ابن حزم
*****************
كتب بقلم:
المؤرخ تامر الزغاري
*****************
