من المعلوم أننا (الشعب المصري )عاطفي بطبعه يتأثر سريعًا بالأحداث المعني بها وبنفس الدرجة الغير معني بها، أهل زمان لم يتركوا شيئًا إلا وأطلقوا عليه الحكم وتكلموا عنه ومع تعاقب الأزمان تداولت تلك الحكم والأقوال فيما بعد فى صورة أمثال شعبية، من هذه الأمثال ذلك المثل ” الجنازة حارة والميت كلب”، وإليك عزيزي قصة المثل والتى تقول الحكاية إنه كانت هناك امرأة وحيدة ليس لها من أهل ولا زوج ولا أبناء فكانت تربي كلب لديها واعتنت به كثيرًا وأصبح يمثل لها كل شيئ، لكن هذا الكلب قدر الله له الموت، وتقديرًا منها له قامت بإعداد مراسم دفن كمراسم دفن البشر، واستأجرت عددًا كثيرًا من النساء والرجال للقيام بعمليات التشييع والبكاء على النعش واتباع الجنازة، وكانت الجنازة على أحرها وشديدة المهابة، وبدء الناس يتوافدون عليها وتزداد حرارتها والنحيب والبكاء يزداد،ساق الفضول إحدى النساء للاستفسار عن الميت بحكم الجيرة خاصةُ وهى تعرف أن ليس لهذه السيدة أقارب ولا أبناء، فأخبرتها المرأة أن الميت هو الكلب الذى كانت تأويه وشددت عليها ألا تخبر بذلك أحدًا وهو مالم يحدث، فانتشر سر الجنازة بسرعة بين الناس فلما عرفوا حقيقة الجنازة انفضوا من حولها تدريجيًا، حينها انهال من استأجرتهم السيدة على تلك المرأة بالضرب وكادوا يقتلونها، فقد فقدت الجنازة حرارتها، لقد جاء هذا المثل مناسبًا لتلك الأحداث الأخيرة التي تابعناها خلال الفترة الماضية، والتي حازت على اهتمام إعلامي كبير على صفحات الميديا أو البرامج التليفزيونية فى حين أن الطبيعي ألا ترتقي لمستوى النقاش فيها
أحد هذه الأحداث قيام المطرب الشهير بصفع أحد المعجبين على وجهه فى حفلة كان يحيها وذلك حينما ذهب المعجب ليلتقط صورة معه، التقطت كاميرات الفيديو الحدث وانتشر على صفحات الميديا بسرعة البرق، فانقسم الناس على صفحات الميديا مابين مؤيد ومبرر لموقف المطرب وشرع فى الدفاع عنه بدافع الخصوصية وأمور أخرى ووصل الأمر بإلقاء اللوم على الشخص المضروب، ومابين معارض له ولهذا التصرف واتهامه بالحماقة و اللا إنسانية وأنه يجب أن يعاقب على ذلك التصرف ويقدم الاعتذار وأمور كثيرة أخرى لأنه قدوة ونجم كبير له جمهوره ويجب أن يتحكم فى سلوكه كى لا تتأثر به الأجيال، وبسرعة تحول الأمر إلى ما يشبه الصراع بين الأشخاص لإثبات وجهة نظر كل منهم ، وقد وصل الأمر أن البعض كان سيقطع علاقته بالآخرين من الأهل والأصدقاء دفاعًا عن الرجل المضروب أو دفاعًا عن المطرب، فى حين أن الأمر بطبيعته لايستحق كل هذه الضجة والصراع، فالمطرب لم ولن يكون قدوة يومًا ما وبالتالي لا عجب من سلوكه هذا، والمضروب أيضُا لا يستحق كل هذا الدفاع عنه فهو من فرط فى حقه حينها وهو من أودى بنفسه لتلك المرحلة
الحدث الآخر حينما ظهر أحد لاعبي كرة القدم فى برنامج رياضى شهير وتحدث في بعض أمور تتعلق بشخصه وبآخرين، لنفاجأ بلاعب آخر من الفريق المنافس يظهر فى برنامج آخر لينفي كلامه ويلقي عليه ببعض الكلمات التي تكذبه تارة وأخرى تقلل من شأنه تارة أخرى، ثم ظهور ممثلين لفريقي الأهلى والزمالك فى أحد البرامج الشهيرة، وصاحب هذا الظهور شد وجذب من كلا الطرفين لإثبات وجهة نظره والذي بدوره حول الأمر إلى صراع أعاد إلى الشارع الرياضي الاحتقان بين جماهير الفريقين وانشغال جمهور الفريقين فى الحديث والكتابة لأوقات كثيرة للتبرير والدفاع عن موقف فريقه ولونه المحبب، فى حين أن الأمر لا ناقة للجماهير فيه ولا جمل، وكأن إثبات صحة موقف فريقه بالنسبة له معركة وجود وصراع حياة رغم أن الأمر لا يستحق الالتفات أصلا، فما هى كرة القدم ليكون هذا الصراع من أجلها، وكل هؤلاء اللاعبين هم أصدقاء خارج المستطيل الأخضر وخارج البرامج أيضًا، كما أن لاعب كرة القدم ليس بالقدوة ولا بالمثل الذي يحتذى به حاليًا حتى نهتم بصدق أو كذب حديثه، الكرة هى إحدى وسائل التسلية والمتعة فقط ولا يجب أن تصبح محل صراع واختلاف بين الأشخاص
فى النهاية قد تجد مبررًا لموقف الأ شخاص الذين ساروا فى الجنازة وجعلوها حارة لهذه الدرجة وهو الاستفادة أو المصلحة المادية فهم يؤدون دور معين فى الجنازة بمقابل، فى حين أنه لا يمكن تبرير موقف الأشخاص الذين أهدروا من وقتهم ومجهودهم فى الصراعات التي حدثت فى الأمرين السابقين فلا يوجد أى استفادة لهم من هذا النقاش والجدال الساخن، فالغناء والرياضة هما وسائل ترفيه للاستمتاع بها وليس لصنع صراع من أجلها، فأهلها لهم الاستفادة ولنا نحن المتعة والترفيه لاغير، وهناك من الأمور والأحداث التي تستحق أن نختلف ونتفق عليها أو ندير النقاشات من أجلها سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي والدولي فى الوقت الحالي، ويجب علينا عدم إعطاء الأمور العادية أكثر من حجمها حتى لا تصبح ذا قيمةً بلا داعي.
بقلم / أمير أبورية


