الإنسان بين الاستخلاف والفساد ومخاطر العصر
بقلم د. محمد متولي
القاهرة، ديسمبر ٢٠٢٥
حين وقفت الملائكة أمام مشهد الخلق وقالت:
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة، 30)،
لم يكن ذلك مجرد استفهام، بل كان ارتعاشة في الوعي الكوني، سؤالًا يفتح أبواب الغيب على مصير مخلوق جديد، يحمل في داخله بذرة الاستخلاف وبذرة الفساد معًا. ومنذ تلك اللحظة، صار الإنسان كائنًا يتأرجح بين نور الحكمة وظلمة الجهل، بين البناء والهدم، بين أن يكون خليفةً في الأرض أو سببًا لفنائها. واليوم، في زمن تتسارع فيه أدواته، يعود السؤال الملائكي ليطرق أبواب عصرنا، حيث لم يعد الحديد والنار وحدهما سلاحه، بل صار الذكاء الاصطناعي والمعلومة والبيئة نفسها جزءًا من معادلة القوة والخطر.
الذكاء الاصطناعي، هذه القوة التي تنمو كبرقٍ في سماء المعرفة، يهدد أن يتجاوز قدرات العقل البشري، فيعيد طرح السؤال الأزلي: هل يصنع الإنسان ما يفسد في الأرض؟ وقد حذّر Bostrom (2014) من أن الذكاء الفائق قد يفتح مسارات لا يمكن السيطرة عليها، فيما أكد Russell (2019) أن التحدي الأكبر يكمن في ضبط هذه القوة بقيم إنسانية قبل أن تنفلت من عقالها. وفي تقارير حديثة، أشار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتجاوز ألفًا وستمائة خطر مصنّف، وأن الحاجة باتت ملحّة لإنشاء مستودع عالمي لإدارتها (MIT FutureTech, 2025). وكأن هذه التحذيرات صدى جديد لصوت الملائكة القديم.
فى تعليق على مقالى السابق مبيعرفش يوجفها علق الاستاذ الدكتور محمد ابو السعود على ثلاثية الإخطار التى تهدد بني البشر من الذكاء الاصطناعي إلى التغير المناخي إلى التغيير الجيني لتحسين النسل.
فأما التغير المناخي، فهو الوجه الآخر لفساد الإنسان في الأرض، حيث تتحدث الأرقام عن كوكب يئن تحت وطأة الانبعاثات وارتفاع الحرارة وذوبان الجليد. وكأن قوله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم، 41)،
يتجسد في تقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أن فجوة تمويل التكيّف في الدول النامية قد تصل إلى 365 مليار دولار سنويًا بحلول 2035، وأن الاستثمار المطلوب لحماية الاقتصاد العالمي من آثار المناخ قد يبلغ 17 تريليون يورو بحلول 2070 (United Nations Environment Programme, 2025). هنا يصبح النص القرآني مرآة للعلم، ويغدو العلم شاهدًا على صدق الوحي.
وفي فصل آخر من الحكاية، يقف الإنسان أمام الجينات، يعبث بها كما يعبث طفلٌ بزهرةٍ في الحديقة، لا يدرك أن لمسةً واحدة قد تغيّر جوهر الخلق. تقنيات مثل CRISPR-Cas9 تحمل وعودًا عظيمة لعلاج الأمراض الوراثية، لكنها تفتح أبوابًا لمخاطر أخلاقية لا تُحمد عقباها. وقد وصفت منظمة الصحة العالمية هذه التقنيات بأنها “ثورة تحمل إمكانات هائلة، لكنها تستدعي حذرًا أخلاقيًا صارمًا” (WHO, 2021). وهنا نستحضر قوله تعالى:
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء، 119)،
لنرى كيف يلتقي النص المقدس مع التحذير العلمي في نقطة واحدة: أن التلاعب بجوهر الإنسان قد يكون بداية لانهيار إنسانيته.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في التقنية وحدها، بل في الأخلاق التي تضبطها. فكما قال الشاعر أحمد شوقي:
«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا»
إن انهيار الأخلاق هو الباب الذي تدخل منه كل المخاطر الأخرى: من الحروب السيبرانية إلى الأسلحة النووية، ومن انهيار الاقتصاد إلى تفكك المجتمع. فإذا ذهبت الأخلاق، ذهب الإنسان ومعه الأمم، وصار العلم والتقنية بلا روح ولا ضابط.
وهنا يلتقي العلم والقرآن في تحذير واحد: أن الإنسان هو مصدر الفعل والخطر والحل معًا. فالآية تقول:
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب، 72)،
لتشير إلى أن الخطر ليس في الأدوات، بل في من يستخدمها. والقرآن لا يقدّم الفناء على أنه قدر محتوم، بل نتيجة لأفعال البشر:
﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأنعام، 6).
إن النجاة إذن ليست في التقنية وحدها، بل في الأخلاق التي تضبطها، وفي الحكمة التي توجهها، وفي البصيرة التي تجعل العلم خادمًا للإنسان لا سيدًا عليه. فالطريق إلى المستقبل مفتوح بين احتمالين: أن يتعلم الإنسان من سؤال الملائكة الأول، أو أن يكرره بأدوات حديثة هذه المرة، لتكون المخاطر أسرع وأكثر تأثيرًا، ويكون المصير رهينًا بقراره هو.
المراجع
• Bostrom, N. (2014). Superintelligence: Paths, dangers, strategies. Oxford University Press.
• Russell, S. (2019). Human compatible: Artificial intelligence and the problem of control. Viking.
• MIT FutureTech. (2025). AI Risk Repository Report. Massachusetts Institute of Technology.
• United Nations Environment Programme. (2025). Adaptation Gap Report 2025. United Nations.
• WHO. (2021). Genome editing technologies and human health. World Health Organization.

