حين تصبح الشاشة أخطر من الشارع
بقلم / سهير مجدي
«لعبة وقلبت بجد» ومحاولة استعادة الوعي الأسري
لم يعد أخطر ما يهدد أبناءنا هو الشارع، بل ما نُمرّره إليهم عبر الشاشة دون أن ننتبه. لسنوات، تسللت إلى بيوتنا نماذج درامية قدّمت العنف باعتباره قوة، والبلطجة باعتبارها شطارة، والصوت العالي باعتباره رجولة. لم تكن المشكلة في المشاهد الصاخبة فقط، بل في التكرار.
ففي علم النفس، النمذجة السلوكية تُخبرنا أن ما يتكرر أمامنا يتحول تدريجيًا إلى طبيعي، ثم إلى مقبول، ثم — دون أن نشعر — إلى قدوة.
وسط هذه الفوضى البصرية، جاء لعبة وقلبت بجد ليختار طريقًا مختلفًا. لا يرفع شعارات أخلاقية مباشرة، ولا يقدّم مثالية زائفة، لكنه يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة كدنا نفقدها: الأسرة مساحة حوار… لا ساحة صراع.
قدّم حجاج عبد العظيم
في مسلسل لعبة وقلبت بجد شخصية تمثل صوت العقل الشعبي داخل الأحداث، حيث يجسد دور الرجل الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يمتلك خبرة حياتية عميقة تجعله شاهدًا ومعلقًا غير مباشر على تصاعد الصراعات.
أداءه اتسم بالعفوية وخفة الظل التي اعتاد عليها الجمهور، لكنه في هذا العمل أضاف لمسة إنسانية أكثر هدوءًا، فكان بمثابة “الميزان” بين الشخصيات المتوترة. حضوره أعطى المسلسل طابعًا اجتماعيًا دافئًا، خاصة في المشاهد التي جمعت بين الكوميديا الخفيفة والدراما الواقعية.
أحمد زاهر
قدّم نموذجًا أبويًا مختلفًا. ليس سلطة مغلقة، ولا صوتًا آمِرًا طوال الوقت، بل رجل يحاول أن يفهم. يمتلك لغة مع أولاده، يسأل قبل أن يحاكم، يناقش قبل أن يمنع. هذه ليست رفاهية تربوية، بل ضرورة نفسية. فالابن الذي يشعر بالأمان في الحديث، أقل ميلًا إلى التمرد الصامت، وأقل احتياجًا لإثبات ذاته عبر سلوك صادم.
الشخصيات الشابة،
عكست ارتباك جيل يعيش داخل شاشة، ويتشكل وعيه بين الواقع والافتراض. المسلسل لم يقدّمهم كجيل ضائع، بل كجيل متعطش للفهم.
عمر الشناوي
جسّد شخصية تعيش صراعًا داخليًا بين الطموح والرغبة في السيطرة وبين هشاشة عاطفية يحاول إخفاءها، بينما منى أحمد زاهر أضافت لمسة من خفة الدم مع عمق عاطفي، لتبرز الحيرة والبحث عن مكان آمن للفرد داخل الأسرة.
رحمة أحمد
أضافت بعدًا آخر، إذ قدمت شخصية تجمع بين الاندفاع والشجاعة، لكنها أيضًا تظهر حاجتها للفهم والتوجيه، ما يجعل المشاهد يرى كيف يمكن للشاب أن يتعلم وينمو ضمن حدود الأسرة والدعم.
محمد حلمي
بدوره، قدم دورًا داعمًا لكنه مؤثر، حلقة وصل بين الشخصيات، يعكس صورة الإنسان العادي الذي يجد نفسه في قلب صراعات أكبر منه، ويجعل المشاهد يشعر بأن كل فرد داخل البيت له دور في صناعة التوازن أو تغييره.
العمل هنا لا يربّي الأبناء فقط… بل يذكّر الآباء أن التربية عملية متبادلة. أن الاعتراف بالخطأ لا يسقط الهيبة، بل يعمّق الاحترام. جيل يحتاج إلى احتواء… لا إلى إدانة.
فبدل أن يقدّم “الفتوّة” كبطل، قدم الأب الواعي كبطل. بدل أن يمجّد الهيمنة، مجّد الحوار. الدراما… شريك في البناء أو الهدم. الفن ليس مرآة سلبية تعكس الواقع فقط، بل قوة ناعمة تعيد تشكيله. وكل نموذج يُعرض على الشاشة يترك أثرًا في وعي طفل، أو مراهق، أو حتى أب يبحث عن طريقة أفضل للتعامل مع أسرته.
لعبة وقلبت بجد لا يدّعي أنه يملك الحلول، لكنه يذكّرنا بأن إعادة البناء ممكنة. أن البيت — مهما اهتز — قابل للترميم. وأن الجيل — مهما ارتبك — قابل للاحتواء. لسنا بحاجة إلى دراما تثير غرائزنا، بل إلى دراما تعيد إلينا رشدنا. لسنا بحاجة إلى أبطال يفرضون الخوف، بل إلى قدوات تصنع الأمان. فالفن الذي لا يحمي قيم المجتمع… يشارك، ولو بصمت، في تفكيكها.

