من المؤكد أننا نعيش طفرة من التقدم العلمي والتقني فاقت كل التوقعات والتصور ، وأن حياة البشر تشهد كل يوم تقدم عن اليوم السابق وهذا التقدم يشمل كافة مجالات الحياة منذ هبوط سيدنا آدم إلى الأرض وإلى الآن ، هذا التقدم والتطور لم يكن ليحدث لولا وجود العلم والمعلمين ، نعم للعلماء دور لايمكن إنكارة ولكن دون معلم لم يكن لنرى عالم ، إذاً فالعلم بذرة التقدم والمعلم هو الماء الذى يرويها لتنمو وتثمر وتخرج لنا متخصصين وعلماء فى شتى المجالات أثروا حياتنا بأفكارهم وابتكاراتهم حتى وصلنا لهذا الحال من التمتع بالرفاهية التكنولوجية الحديثة ، كل الشرائع السماوية كانت تحث على طلب العلم وتوضح الجزاء الكبير لطالب العلم ولمُعلم الناس العلم ، ففى الحديث الشريف عن النبى محمد (صل الله عليه وسلم ) قال ” طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة” ويقول أيضا ” فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الانبياء وإن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم ” صدق رسول الله (ص) ، ويقول السيد المسيح ” فرأيت أن للحكمة منفعة أكثر من الجهل ، كما أن للنور منفعة أكثر من الظلمة ” ، هذا بخلاف العديد من أبيات الشعر لشعراء وأدباء عظام يمتدحون العلم والمعلم فها هو أحمد شوقي يقول :-
قف للمعلم وفية التبجيل كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذى يبنى وينشئ انفسا وعقولا
فكما نرى عظمة ومكانه العلم والمعلم كبيرة وأكبر من أن نختذلها فى كلمات بمقال او أبيات شعر نتداولها
لاشك أن الدول التى تسعى للتقدم والتنمية أول خطواتها لتحقيق ذلك هو الإهتمام بالعلم والمعلم ، فمثلا حينما تمكن محمد على من حكم مصر وأراد بناء نهضة مصر الحديثة وقتها فإن أول أمر قام به هو إرسال البعثات الخارجية للتعلم والمعرفة وعلى نفقة البلاد ، حيث يتم إختيار النخبة من أبناء البلاد والمتفوقين فى دراستهم وإرسالهم إلى بلاد أوربا للتزود بالخبرات والعودة للإستفادة من علمهم وخبراتهم التى تزودوا بها من الخارج لتحقيق النهضة والتقدم فى البلاد حينها ، ورأينا بزوغ قيمة العلماء وقتها والوقار والهيبة الممنوحة للمعلم وقد أتت ثمارها بالفعل فكانت مصر فى عهد محمد على فى أبهى صور تقدمها فى كل المجالات الزراعية والصناعية والحربية والأدبية وكافة المجالات الأخرى ، اليابان أيضا وبعد الحرب العالمية الثانية وخروجها منهزمة ودوله تعانى من التدمير وتقاسى ويلات الحروب التى كادت أن تتسبب فى إنهيار البلاد حينما أرادت إستعادة ذمام أمورها وشرعت فى تحقيق نهضتها فإن أول سبيل سلكته هوالعلم،حيث قام الإمبراطور ( موتسوهيتو) بإرسال كبار مستشارية لقيادة بعثات إلى أوروبا والولايات المتحدة للتعلم والإطلاع على أحدث النظم فى الشؤن الزراعية والصناعية وخلافها كما قامت الدولة بإستقطاب خبراء من دول أوروبا لوضع أسس حديثة وتعليم الشعب كيفية التعامل معها فى مجالات شتى كالتعليم والصحة والنظم العسكرية أيضا ، وظل هكذا اليابانيين يتعلمون ويعلمون بعضهم البعض حتى صارت اليابان التى نراها اليوم والتى من شدة إنبهار العالم بتقدمها يسمونها كوكب اليابان ، الشاهد فى الأمر أن مصر فى عهد محمد على كانت الإمبراطورية المصرية الكبرى التى كان يخشها القاصى والدانى واليابان باتت القوى الصناعية الأضخم والأكبر فى العالم حاليا كل ذلك تحقق بفضل الإهتمام بالعلم والتعلم ومنح القيمة والقامة الكبرى للمعلم حتى يتثنى له تعليم أجيال وأجيال قادرة على تحقيق نهضة وتقدم بلادها
لماذا نحن بصدد هذا الكلام الآن ؟ الإجابة ببساطه هو الوضع الذى آل إليه التعليم والمعلم فى وقتنا الحالى وأيضا لحدوث موقفين لايجب أن يمرا علينا مرور الكرام ، فتقريباً فى نفس التوقيت من العام السابق كانت واقعه الفيديو المنتشر لمدرس بمدرسة بيلا بكفر الشيخ والذى كان يعمل كمشرف على عمال النظافة بأحد المطاعم من أجل زيادة دخله لمواجهة أعباء المعيشة وكفاية أسرتة ، والآن واقعة المدرس ومدير مدرسة صفط الشرقية بالمنيا والذى وفاتة المنية وهو يؤدى عملة الإضافى ، وأي عمل لقد كان يعمل فى مجال البناء من أجل خلق مصدر لزيادة دخله كى يواجه به الموجات المتفحلة من الغلاء الفاحش التى باتت تكدر على الناس معيشتهم ، نحن هنا لانقلل ولانحكر من طبيعة الأعمال التى كانوا يؤدونها فالعمل ليس عيباً ، لكن العيب أن يعمل معلم الأجيال فى هذة الأعمال التى لا تتناسب مع قيمة المعلم كحامل للواء العلم والتعلم كمربى للأجيال كقدوة للمأت والألاف من طلاب العلم وشباب البلاد ، الأمر في مجملة محزن للغاية ويقودنا إلى سؤال لماذا يضطر المعلم إلى البحث عن عمل إضافي قد لا يتناسب مع قيمة المعلم الإجتماعية ؟ لا جدال أن أعباء العيش باتت مرهقة وأن المرتب فى كثير من الوظائف ومنها التعليم لم يعد يكفي فيضطر للبحث عن أعمال اضافيه لتحسين الدخل خصوصا إذا لم يكن المعلم يعطى دروس خصوصية أو مجموعات تقوية ، ومن المعروف أيضاً ا أن هناك الكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة قامت بتعديل مرتبات أفرادها لتتوائم مع التضخم الحالى ، فقد كان من الأولي لوزارة التربية والتعليم ان تقوم بإعادة هيكلة الأجور والمرتبات للتناسب مع مقتضيات الحياة وزيادة الأسعار المفرطة بدلا من محاربتها المستمرة لموضوع الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية التى يمارسها بعض المدرسين كعمل إضافى لزيادة الدخل ومواجهة أعباء المعيشة ، فى الحقيقة بعد هذان الموقفان لم يعد لأحد الحق فى محاربة الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية قبل النظر إلى الوضع المادى للمعلم وإعطائه قيمته التى تتناسب مع شرف المهنة وقيمتها
ياسادة إن للعلم والمعلمين لهيبة كبيرة والتعليم مع الصحة يعتبرا من أهم الركائز التى تعتمد عليها الدول للقيام بالنهضة وإصلاح شؤنها، فالمعلم هو النبتة الأولى لتكوين فكر الطبيب والمهندس والمحاسب والمحامى وعضو مجلس الشعب والوزير وكل التخصصات الأخرى ، والمعلم لابد أن يحصل على القدر المناسب لشرف المهنة من الوقار والتقدير المعنوى و المادى معاً خصوصا وهناك الكثيرين من المدرسين لا يعطون الدروس الخصوصية ولا يعتمدون عليها كمصادر إضافية للدخل ، من غير المعقول أن يكون مديرا لمدرسة ومدرس أول لمادة حيوية كمادة العلوم ويكون مجبرا على السعى لعمل إضافى خصوصا ونحن نعلم جميعا أن مرتبات المدير فى أى مكان تكون مرتبات كبيرة ومناسبة لوضع الوظيفة وقيمتها ، هذا بخلاف الارقام المبالغ فيها التى تطرح يوميا على مرأى ومسمع من الجميع كأجور للاعبي كرة القدم والممثلين والمطربين وغيرهم ، فى الحقيقة إن لم نسرع فى معالجة الأمور الحياتية للمعلم فنحن بصدد أمثله عديدة قادمه لامحاله مثل مدرس بيلا ومدير مدرسة المنيا رحمه الله ، هناك مقولة لأحد المستشرقين يقول ” إذا اردت أن تهدم حضارة أمة فعليك بهدم أمور ثلاث ، هدم الأسرة ، هدم التعليم ، وإسقاط القدوات ” ونحن إن لم نجد حلولا لتحسين وضع المعلم فنحن بصدد خطر يواجهنا مستقبلا فالمعلم هو واجهة التعليم وهو القدوة فى المجتمع وبالتالى تعرضهم للهدم هو تعرض لضياع أجيال قادمة وحضارة قائمة ، وأخيرا نعزى الأستاذ سليمان عبدالحميد رحمه الله بهذة الأبيات للشاعر
أبومحمد البطليوسى :-
أخو العلم حي خالد بعد موته وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو يمشى على الثرى
يظنُ من الأحياء وهو عديم

