ذكرى البطل عماد الدين زنكي
وهو طفل شاهد مقتل أباه، من الموصل بدأ مشروع تحرير القدس، محرر الرها وقاهر الفرنجة والأرمن
ففي مثل هذا اليوم
قُتل أحد أعظم أبطال الأمة ومن بدأ مسار تحرير فلسطين من الفرنجة الشهيد البطل عماد الدين زنكي.
وذلك في 4 ربيع الآخر 541 هجري.
–
الموافق في تاريخ 1146/09/13م.
–
–
نشأته
–
–
ولد في بغداد في عام 1084م وذلك أثناء تواجد والده آقسنقر بن عبد الله آل ترغان فيها والذي كان يعمل حاجبا للسلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان، وفي عام 1087م إنتقل مع أسرته إلى حلب عندما تم تعيين أبيه واليا للسلاجقة على حلب، وأصلح أبوه شؤون المدينة وفرض الأمن، ولكن في عام 1094م هاجم السلطان السلجوقي تتش بن ألب أرسلان مدينة حلب، وقام بأسر آقسنقر ثم أعدمه بقطع رأسه أمام إبنه الطفل عماد الدين زنكي والذي كان عمره فقط حوالي 10 أعوام.
–
–
إنضمامه لجيش الخليفة العباسي
–
–
بعد مقتل أبيه عاش عماد الدين زنكي في الموصل ثم إنتقل إلى واسط وترقى في جيشها، وفي عام 1118م تولى الخلافة الخليفة العباسي فضل المسترشد بالله والذي كان إتجاهه معادي للسلاجقة، والذي تحكم في بغداد والعراق تحكما كاملا، فذهب عماد الدين زنكي إلى بغداد لينضم لجيش الخليفة.
–
وفي عام 519 هجري الموافق 1125م شارك بأول معركة له، حيث تحالف السلطان السلجوقي محمود مع أمير الحلة دبيس بن صدقة وتقدموا نحو بغداد، فخرج لهم الخليفة بنفسه، والتقى الفريقان وقد شهر الخليفة سيفه وكبر وبدأ المعركة، فحمل عنتر بن أبي العسكر على ميمنة الخليفة فكسرها وقتل أميرها، ثم حمل مرة ثانية فكشفهم كالأولى.
–
فحمل عليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر فأسر عنتر وأسر معه بديل بن زائدة، ثم انهزم عسكر دبيس وألقوا انفسهم بالماء، فغرق كثير منهم، وعاد الخليفة إلى بغداد ، وكافئ الخليفة زنكي بتعيينه قائد لشحنة -شرطة- بغداد.
–
–
عماد الدين زنكي واليا على الموصل
–
–
بعد أن نجح الخليفة في إخراج السلاجقة من العراق وضع استراتيجية لتحرير فلسطين من إحتلال الفرنجة، وهي بأن يتفرغ احد الولاة بشكل كامل لتحقيق هذا الهدف وأن تكون ولايته مسخرة لهذا الامر، فاختار ولاية الموصل لتكون نقطة الانطلاق، واختار قائد شرطة بغداد عماد الدين زنكي واليا عليها عام 1127م ليتوسع حتى تحرير القدس والقضاء على الفرنجة، واستطاع عماد الدين زنكي أن يسيطر على حلب عام 1128م مستغلا شعبية أبيه الذي كان يحكم حلب قبل عقود، واستطاع أن يضم حماه له عام 1130م.
–
ورغم كثرة اعتراض السلاجقة وتكرار المحاولات لإثناء الخليفة على إقالة زنكي، ولكنه بقي مصر على عماد الدين زنكي بأن يبقى واليا عليها، وقد كانت بلاد الموصل من بلاد الخليفة العباسي التي ما زال يحكمها بشكل مباشر، فإختار الخليفة أن يقتطعها في سبيل تحرير فلسطين.
–
قال ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية): في سنة 521 هجري بعث الخليفة عماد الدين زنكي إلى الموصل وأعمالها… سنة 523 هجري دخل السلطان محمود السلجوقي إلى بغداد وإجتهد في إرضاء الخليفة أن يسلم إليه بلاد الموصل فامتنع الخليفة من ذلك وأبى أشد الإباء، وقدم عماد الدين زنكي إلى بغداد، وأقره الخليفة على الموصل، ورجع إلى عمله فملك حلب وحماه.
–
قال ابن الأثير في كتاب (الكامل في التاريخ): أرسل الخليفة إلى عماد الدين يأمره بالعودة إلى الموصل والاشتغال بجهاد الفرنج
–
–
الحرب بين زنكي والخليفة العباسي.
–
–
في عام 527 هجري الموافق 1133م توحد أمراء السلاجقة ضد الخليفة العباسي المسترشد، وقرروا مهاجمة بغداد، فأرسل السلطان السلجوقي سنجر إلى زنكي بأن يزحف نحو بغداد مقابل عدم خلعه، فاعتقد زنكي أن المسترشد سيخلع في كل حال، وخاف زنكي من أن يلاقي مصير أبيه آقسنقر.
–
فزحف نحو بغداد ووقعت معركة تل عقرقوف، والتي إنتصر بها المسترشد وهرب زنكي نحو تكريت، واستقبله أميرها نجم الدين أيوب، ثم عاد زنكي إلى الموصل، ثم أتى الخليفة المسترشد وحاصر مدينة الموصل لمدة 80 يوما، فخرج له عماد الدين زنكي لوحده، وقدم مفاتيح الموصل له، فعاد المسترشد وأقره عليها، ولكن بقيت الريبة بين الخليفة وزنكي، فذهب زنكي بعد عامين إلى الخليفة العباسي المسترشد في بغداد.
–
وذكر ابن الجوزي في كتاب (المنتظم) أن عماد الدين زنكي قال للخليفة المسترشد: “أنا وأبي عبيد هذه الدولة وما زالت العبيد تجني والموالي تصفح، ونحن بحكم الخدمة في أي شيء تصرفنا، وبذل أن يسلم مفاتيح الموصل وغيرها إلى الخليفة، وقال: هذه والدتي وجماعة من النساء رهائن على ذلك”.
–
فأنزل المسترشد نساء زنكي في الجانب الغربي لبغداد، وبقي زنكي خاضعا ومساندا للخلفاء العباسيين ضد السلاجقة، فوقف مع الخليفة المسترشد ثم الخليفة الراشد ثم الخليفة المقتفي والذي إنتصر على السلاجقة واخرجهم من العراق بشكل كامل ونهائي.
–
–
إنتصار على الفرنجة بمعركة بعرين
–
–
في عام 1137م، حاصر عماد الدين زنكي قلعة بعرين، التابعة لكونتية طرابلس، وعندما سار ملك الفرنجة فولك مع جيشه لرفع الحصار، هوجم جيشه من قبل القوات المنتشرة لزنكي، فانهزم الفرنجة، ولجأ فولك وبعض الناجين إلى القلعة، ليحاصرها عماد الدين مرة أخرى، وعندما نفد الطعام بدأ المحاصرون بأكل خيولهم، ثم أجبروا على طلب شروط للاستسلام، ووافق عماد الدين على فك الحصار خروج المحاصرين مقابل تسليم القلعة ودفع فدية 5000 دينار.
–
–
زواجه من حاكمة دمشق
–
–
في عام 1138م تزوج عماد الدين زنكي من زمرد خاتون حاكمة دمشق، والتي كانت وصية على عرش إبنها الطفل شهاب الدين محمود، وفي عام 1139م تم قتل إبنها وسيطر معين الدين أنر على دمشق، فدعت زمرد زوجها لغزو دمشق، واعتبرته الوصي على عرشها، فحاصر زنكي دمشق، واستنجد حاكم دمشق معين الدين أنر بالفرنجة، فأرسل الفرنجة جيشا، فانسحب زنكي.
–
–
سيطرته على بعلبك
–
–
بعد انسحابه من دمشق عام 1139م، توجه نحو مدينة بعلبك التابعة لمعين الدين أنر وحاصرها، فوافق حكام بعلبك على تسليم المدينة مقابل الأمان لهم وللجيش، وبعد تسليم المدينة لم يلتزم زنكي بالإتفاق وقام بقتل حكامها وجيشها، خوفا من أن ينضموا لجيش دمشق المتحالف مع الفرنجة، ولنشر الخوف والرهبة، وكذلك لتعويض الخسارة المعنوية عندما فك الحصار عن دمشق.
–
ووفقًا للمؤرخ ابن العديم فإن زنكي “أقسم لأهل بعلبك قسمًا شديدًا على القرآن وعلى طلاق (نسائه)، فلما نزلوا من القلعة خانهم وسلخ حاكمها وشنق الباقين”.
–
–
توسعه في أرمينيا
–
–
أمام تحالف إمارة دمشق والفرنجة، وانتقاما لإشتراكهم في محاصرة بانياس ودخولها عام 1140م، فرض زنكي مرة أخرى حصارًا على دمشق، ولكنه لم ينجح في إقتحامها، فقرر التوقف عن الزحف جنوبا بشكل مؤقت، ووجه جهوده نحو أرمينيا، فشن حملة في الشمال واستولى على عشيب وقلعة حزان الأرمنية.
–
–
تحرير إمارة الرها
–
–
يعتبر سقوط إمارة الرها عام 1144م بيد عماد الدين زنكي أعظم حدث في الصراع مع الفرنجة حتى تاريخه، وبعد أن كان زوال الفرنجة أمرا مستحيلا عند الكثيرين أصبح أمرا محققا.
–
وكانت البداية عندما حاصر عماد الدين زنكي مناطق تابعة لحاكم ديار بكر قرة أصلان الأرتقي، فخرج حاكم الرها جوسلين الثاني لإنقاذ حليفه قرة أصلان الأرتقي، وخوفا من توسع زنكي.
–
فاستغل زنكي خروج أمير الرها جوسلين الثاني وجيشه من الإمارة، فزحف بسرعة باتجاه الرها، وفرض حصارا على عاصمتها في 1144/11/28م، ولم يستطع جوسلين العودة فسيطر على قلعة تل باشر إحدى قلاع الأرمن وقرر الإستقرار بها ومراقبة الأحداث وطلب النجدة.
–
وقام زنكي بنصب المنجنيقات وبدأ بحفر الأسوار، وحاول أهل المدينة مقاومة الحصار ولكن لم يكن لديهم الخبرة الكافية وبقيت الأبراج العديدة بدون رجال للحماية، ليتحطم جزء من السور قرب بوابة الأحصنة ليدخل منه عماد الدين إلى المدينة في تاريخ 1144/12/24م وقتل الجيش جميع من لم ينجح في الفرار إلى القلعة كما مات الكثير دهسا بسبب التزاحم، وأمر عماد الدين بوقف القتل وسمح للمسيحين بالعيش في المدينة بحرية ليتسلم القلعة يوم 1144/12/26م.
–
–
إستشهاده
–
–
في أثناء حصاره لقلعة جعبر والتي تقع قرب مدينة الرقة، قام شخص بطعن عماد الدين زنكي طعنات قاتلة أثناء نومه وكان إستشهاده في تاريخ 4 ربيع الآخر سنة 541 هجرية الموافق 1146/09/13م، واختلف المؤرخون حول الجهة التي قامت بقتله فمنهم من قال بأنهم من جماعة الحشاشين الإسماعيلية، ومنهم من قال بأن قاتله هو خادمه الفرنجي إسمه يرنقش.
–
وتولى حكم الموصل من بعده إبنه سيف الدين زنكي، وتولى حكم حلب إبنه نور الدين زنكي، لتكون هذه نهاية أحد أعظم أبطال الأمة، والذي كان البداية لتحرير فلسطين من إحتلال الفرنجة، وكل ما حققه صلاح الدين الأيوبي كان أساسه هو ما بناه عماد الدين زنكي.
قال ابن الأثير الجزري في وصفه: كان شديد الهيبة في عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوى على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنجةً-، فعمرها وامتلأت أهلاً وسكاناً، وكان أشجع خلق الله.
وقال عنه ابن كثير: كان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً وكان شجاعاً مقداماً حازماً خضعت له ملوك الأطراف وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية وأجود الملوك معاملة وأرفقهم بالعامة
وقال ابن العديم: كان الأتابك عنيفًا وقويًا ومثيرًا للرهبة، وكل البلاد معرضة لهجومه فجأة، وكان يركب في مقدمة جيشه، اعتادت القوات السير خلفه كما لو كانوا بين خيطين، وكانوا يخافوا أن يدوسوا على المحاصيل، وكان معتاد أن يصلب المعتدين”
**** المصادر:
1) تاريخ الخلفاء، السيوطي
2) البداية والنهاية، ابن كثير
3) المنتظم في أخبار الملوك والأمم، ابن الجوزي
4) الإنباء في تاريخ الخلفاء، العمراني
5) الكامل في التاريخ، ابن الأثير
6) زبدة الحلب في تاريخ حلب، ابن العديم
7) المذيل في تاريخ دمشق، ابن القلانسي
*****************
كتب بقلم:
المؤرخ تامر الزغاري.
*****************

